لا تغادرني صورة العلماء والكتاب وهم يبيعون كتبهم بأبخس الأثمان في شارع المتنبي، وبدا لي أن آخر ما سيبحث عنه العراقي المقيم هو الكتاب، وعزز ذلك ما سمعته من المسرحي المعروف محمود أبو العباس حين قال لي: لقد تم حرق تراثنا المسرحي وأرشيفنا كاملًا.. من هنا يستمد حوارنا مع القاص العراقي علي السباعي المقيم في العراق أهميته. السباعي قهر الحصار بحصوله على عدة جوائز منها جائزة (ناجي نعمان) كما نوقشت أعماله في رسالة ماجستير عنونت ب(علي السباعي قاصّاً) في جامعة «مؤتة» الأردنية عام 2015، وترجمت بعض قصصه إلى الإنجليزية والهولندية.
} كيف تحصل على كتبك رغم هذا الحصار؟
أحصل على زادي من الكتب، بمراسلة أصدقائي من الأدباء والمثقفين المتنورين من داخل الوطن وخارجه، وبهذا أحصل على المطبوعات الجديدة في أوان قطفها، وطريقة أخرى هي طريقة الاستنساخ، عندما يصل كتاب مهم لأحد الأصدقاء وبنسخة يتيمة نعمل على نسخها، وتداولها، بهذا يكون المطبوع المستنسخ بطعم المنشور السري في سني الحصار، الكتب يراها البعض كتباً، وأنا أراها كنوزاً، وبهذه الوسيلة ووسائل أخرى كثيرة بددنا ظلمات حواجز الحصارات المضروبة حولنا بنور شموس المعرفة.
} هل اشتريت كتباً تخلى أصحابها عنها نظراً للظروف الاقتصادية؟
أعيش مثل باقي أقراني المبدعين المثقفين في ظل ظروف اقتصادية صعبة للغاية، صعبة جداً، لم أشتر كتاباً واحداً من أديب باع مكتبته لظرف اقتصادي قاهر قط، أكره استغلال عوز الناس.
} متى بدأت تكوين مكتبتك؟
اقتنيت ثلاثة كتب، كان الأول للساحر الفذ فريدريك نيتشه (هكذا تكلم زرادشت) وجاء الثاني للداهية نيقولا مكيافيللي (الأمير)، وحل أودلف هتلر ثالثاً في (كفاحي)، حملتها فرحاً بها، كنت مزهواً بها، وأزدهي بها أثناء أوبتي إلى دارنا، استقبلني إخوتي الصغار، ومن بعدهم أمي، كانوا معتادين على استقبالي وأنا أجلب لهم ما يسدون به رمقهم بكسرة خبز تسد جوعهم، لكن. ما كان في جعبتي إلا الكتب. صرخوا بيأس من فرط انتظارهم جزعاً: كتب. اغتسلت، وجئتهم حيث تحلقوا حول أمي، ظننتهم ينتظرونني لتناول طعام الغداء سويةً، فكان أن نهضت أمي بعصبيتها الدافئة، وغادرت مجلسنا، ثوان عادت تحمل طبقاًَ تضع عليه الكتب الثلاثة، وقالت ودموعها ملء مقلتيها: كل يا ابني البكر هذا ما جلبته من غداء لنا. صحة وعافية. وأطلقت عقيرتها باكية ملء روحها المخذولة مني، وهي تلعن اليوم الذي نسيت فيه حبلي السري بين بطون الكتب.
} ما الكتب التي تعود إلى قراءتها كل فترة؟
رسالة الغفران للمعري، وبدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس، ومقدمة ابن خلدون، والخصائص لابن جني، وديوان المتنبي، وديوان الجواهري، وألف ليلة وليلة، وعشرة أيام هزت العالم لجون ريد، والحرب والسلام لليو تولستوي، وأربعة قرون من تاريخ العراق الحديث للونكريك.
} كيف ترتب مكتبتك؟
أرتب كتبي ضمن تصنيف علمي سليم ودقيق حيث يأخذ كل كتاب من كتبي مكانه الصحيح، حسب جنسه، وجنسه يخضع إلى تسلسل الحروف الأبجدية.
} هل تقرأ كتبك التي قمت بتأليفها؟
لا ألتفت ورائي حيث تركت الماضي خلفي أنا في صعود دائب وجاد، صعود حقيقي وحثيث صوب قمة لن ولم أبلغها قط.
} هل جربت قراءة الكتب الإلكترونية؟
ألجأ مرغماً إلى خيار القراءة الإلكترونية حينما لا يتوافر لدي خيار آخر، وأجد أن حياتنا شئنا أم أبينا سائرة رغماًَ عن محبتنا صوب ضفة القراءة الإلكترونية ضمن إيقاع الحياة المعاصرة التي نعيش.
} من الكاتب الذي تحرص على أن تكون كتبه في مكتبتك؟
خورخي لويس بورخيس، لأنه ساحر كبير في فن كتابة القصة تعلمت منه كيف أكون كاتب قصة.
} هل القراءة في خطر؟
نعم. القراءة في خطر داهم.