أحمد زكي باشا ، شيخ العروبة، ورائد إحياء الآداب العربية، والباحث عن ذخائر المخطوطات، هو أول من أطلق على الأندلس «الفردوس الإسلامي المفقود» وهو الكاتب غزير الإنتاج، الذي آثر الصحافة اليومية، فلم يترك سوى كتيبات قليلة.
خاض أحمد زكي معارك فكرية متعددة، زادت حدتها بعد أن أحيل إلى المعاش عام 1922، وظل يكتب بانتظام في جريدة «الأهرام»، وكما يقول أنور الجندي في كتابه «أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة» فإنه: «كان في مساجلاته غاية في العنف، فهو عالم بحّاثة، لكن لا ينسى مطلقا نفسه ولا فضله، وكل الذين كانوا في مجال البحث إزاءه هم في الأغلب من أبنائه وتلاميذه أو أترابه، لذلك كان دائما يحدثهم على أساس أنه (معلم) و(قائد) و(سابق) في مضمار البحث».
كانت معركته مع زكي مبارك نموذجاً في هذا الإطار، فقد كتب زكي مبارك معلقا على كتاب أصدره الشيخ سليم البشري، وقال إن الذي كتبه هو ابنه عبد العزيز البشري، فكتب أحمد زكي باشا: «أنت جدع وشاطر فعرفني وعرف الناس باسم قائل هذه الأبيات» وأورد عدداً من الأبيات، ورد زكي مبارك عليه قائلاً: «هل يليق بالعالم أن ينقل الجدل من ميدان إلى ميدان، ليفر من الجواب، إن هذا النوع من السؤال عن الشعر لا يتفق مع الذوق الحاضر، وإن كان يصلح لمطارحة المبتدئين في مدرسة ثانوية، ولو استبحنا لأنفسنا أن نسأله هذا السؤال لأعجزناه، وأعجزنا معه ألوفاً من القراء».
ويرد زكي باشا مهاجماً تحت عنوان: «خم النوم صح النوم» يقول: «كلمتك جارحة إلى أستاذك الذي رباك، وأحسن تأديبك، أيام كنت متوجاً بالعمامة البيضاء، فيا رحمة الله على تلك العمامة، وما كان تحتها من أدب ورقة ولطافة»، وأشار زكي باشا إلى موقفه من أستاذ له في المدرسة التجهيزية، وكان دميما، وكان يتحدث عن إعجاب حسان باريس به، فيقول: «فما كان من التلميذ الخبيث أحمد زكي إلا أن قال له ذات يوم: «يا دكتور ما عندكش مراية» فانهال عليه بالسب والشتم» وقال زكي باشا: «فهل في تلاميذ اليوم نخوة على تأديب أستاذهم (ز. م) ابن سنتريس المنوفية؟ كما فعلنا نحن بالأمس».
وعاد زكي مبارك مهاجماً بعنف، فقال: «كنا نظن أن الأدب البارع الذي يظهر في مقالات شيخ العروبة فن جديد، رمته به أيام الشيخوخة، لكن يظهر أن هذا الأدب كان من صفاته لعهد الطفولة، فقد حدثنا حفظه الله أنه استباح أن يقول لأستاذه في المدرسة التجهيزية (ما عندكش مراية) وهذا الرجل الذي يكتب بقلمه هذه التعابير هو نفسه الرجل الذي قضى وقتاً طويلاً يدعوني إلى أدب القول، وقد عملت بنصيحته، وتأدبت معه، فاستأسد وكشر عن أنيابه، وكان في مقدوري أن أعامله بمثل ما عامله به الأستاذ محمد مسعود، لكنني رفقت بشيخوخته.. وقدرت له ماضيه في خدمة اللغة العربية».
وانتقل زكي مبارك إلى الحديث عن مؤلفات أحمد زكي، موضحاً أنه مغرم بالسجع في عناوين كتبه، وأورد أسماء مؤلفاته، وكلها مختلقة، ما عدا الأول «السفر إلى المؤتمر» ومنها «التحفة البهية في الكبدة المشوية» و«القول المبين في مقام سيدي الأربعين» و«القول الكاشف في الفول الناشف» وعلى هذا رد «شيخ العروبة» قائلا: «ما بالك تجحد فضل أستاذيتي عليك؟ وتعاود فحش القول، وجفاء الطبع، وبماذا تبيض وجهك، بعد أن تأسفت لي في دار مجلة المعرفة قبل ردك الأخير؟ أفأنت حينما تواجهني يتغلب عليك الأدب، ويغلبك الحياء، فإذا ما خلوت إلى نفسك جمح بك القلم؟
وناقش زكي مبارك في عناوين الكتب المختلفة قائلاً: «تنسب إليّ «التحفة البهية في الكبدة المشوية» يا كبدي عليك يا مبارك، حينما كنت تجري ليلاً في درب المشي وراء (يا جابر) الذي يبيع الكبدة، وأنت لا تزال تحلم بها، وتتصور أنها أكل الملوك».