يقول المرزباني في كتاب «الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء»: «وقد أودعت هذا الكتاب ما سهل وجوده وأمكن جمعه وقرب متناوله من ذكر عيوب الشعراء التي نبه إليها أهل العلم وأوضحوا الغلط فيها، من اللحن والإيطاء والإكفاء والتضمين والكسر والإحالة والتناقض واختلاف اللفظ وهلهلة النسج، وغير ذلك من سائر ما عيب على الشعراء قديمهم ومحدثهم»، يتجول المرزباني في عمله هذا بين أعلام الشعر العربي حتى عصره، القرن الرابع الهجري، متقصياً الأخطاء التي وقعوا فيها، مستخدماً مشرط القارىء والمؤلف الموسوعي والناقد العلمي، ولا يملك مطالع المرزباني في هذا الكتاب وغيره إلا أن يتوقف أمام جهد الرجل معجباً بدأبه وتتبعه للشعراء في شعرهم، أما حياتهم وسيرهم فقد خصص له كتاباً آخر أطلق عليه «كتاب المفيد»، أما السرقات الشعرية فأبدع فيها كتاباً ثالثاً اعتبر فيه أن أسوأ تلك السرقات «وقوف السارق عن مدى المسروق»، أي أن السارق لم يضف أي جديد و تعطلت قريحته عند المعنى الذي سلبه من غيره.
المرزباني موسوعة مشرعة في شتى الفنون والآداب، لعل تلك أول ملاحظة نخرج بها من مطالعة عناوين مؤلفاته، ففي علوم الدين كتب: «الدعاء»، «العبادة»، «الفرج»، «الزهد وأخبار الزهاد»، «المعلى في فضائل القرآن»، «ذم الدنيا»، «حب الدنيا»، «التعازي»، و«المواعظ وذكر الموت». وفي التاريخ: «أخبار أبي مسلم الخراساني»، «أخبار البرامكة»، «أخبار ملوك كندة»، و«المغازي»، وفي موضوعات الثقافة العامة: «كتاب الأنوار والثمار»، «نسخ العهود إلى القضاة»، «المستطرف في الحمقى والنوادر»، «المدبّج في الولائم والدعوات والشراب»، «الهدايا»، «المزخرف في الإخوان والصحاب»، «الجود وأخبار الأجواد»، «التهاني»، و«التسليم والزيارة». أما في علوم اللغة والشعر فقائمة مؤلفاته تطول، منها: «الرياض»، «معجم الشعراء»، «المؤنق»، و«المقتبس في أخبار العلماء والنحاة والرواة البصريين والكوفيين».
معظم هذه الكتب ضاعت ولم يبق منها إلا «الموشح» السابق الإشارة إليه، وجزء من معجم للشعراء رتبهم المرزباني حسب حروف المعجم، و كتاب «أشعار النساء». والأخبار عن أبي عبيدة محمد بن عمران بن موسى بن سعيد المرزباني الذي عاش بين عامي 296 و 384 ه في بغداد قليلة، وتتلمذ على أيدي أبي القاسم البغوي ومحمد بن دريد الأزدي والصولي، ولكن كتابات القدماء والمحدثين التي أشارت إلى مؤلفاته و موضوعاتها حفظت لنا جهد رجل خصص حياته للعلم والثقافة.
يحكي المرزباني في «الموشح» عن النابغة الذبياني بأنه لم يكن ليسمح لأحد بانتقاد شعره، برغم ما في بعضه من مآخذ، ويورد قوله:«سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه/ فتناولته واتّقتنا باليد، بمخضّب رخص كأن بنانه/ عنم يكاد من اللطافة يعقد» والذي عابه عليه أهل الحجاز «فلم يأبه لذلك»، فقدم المدينة فأسمعوه شعره في غناء«فانتبه إلى ثقله وقال» قدمت الحجاز وفي شعري صنعة ورحلت عنه وأنا أشعر الناس»، معللاً ذلك بالقول برقة أهل المدن مقابل أهل البادية.
رأي صريح
ولنستمع إلى رأيه في شعراء عصره:«سمعت ابن الأعرابي يقول: إنما أشعار هؤلاء المحدثين، مثل أبي نواس وغيره، مثل الريحان يشم يوماً ويذوى فيرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيباً. أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو بكر عبد الله التميمي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأنشده رجل شعراً لأبي نواس أحسن فيه، فسكت. فقال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟، قال: بلى، ولكن القديم أحب إلىّ»، ويستمر على هذا المنوال في ما يتعلق ببشار وأبي العتاهية..الخ، ويستند في نقده لشعراء الجاهلية وصدر الإسلام وعصره، وفق تقسيم الكتاب، إلى ذائقة لا تخضع إلا إلى جمالية الشعر.
و«الموشح» يمكن اعتباره كتابا في النقد التطبيقي، حيث يزخر بالنماذج والأمثلة التي يحاول من خلالها المرزباني إبراز العيوب التي يقع فيها الشعراء مثل: تجافي المعاني مع الذوق واللباقة، وعدم القدرة على إصابة الوصف بدقة، والتناقض والغموض، والمبالغة في الصور، والشطح في الخيال، والصنعة والتكلف، وتأثر المتأخرين بالمتقدمين، وهو بهذا المعنى يختلف عن»نقد الشعر«لقدامة أو»طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحي.
ينتمي كتاب المرزباني«أشعار النساء» إلى موضوع نادر الطرح في تراثنا، وربما ثقافتنا العربية، ويتعلق بشعر المرأة، فباستثناء ما كتبه الأصفهاني«الإماء الشواعر»، و السيوطي«نزهة الجلساء في أشعار النساء»، ربما لا تحضر الذاكرة من التفت إلى هذا الموضوع، يحتوي الكتاب على تراجم وأشعار ل 38 شاعرة عربية، والملاحظ أن المرزباني يتجول بين الشاعرات بذكر أسمائهن الصريحة أو يقول شاعرة أو فتاة أو امرأة ويلحقها بقبيلتها مثل شاعرة من بن عامر، أو برجل تنتمي إليه مثل«أخت جساس»، ومعظم أشعار النساء تدور حول الرثاء أو الحب الذي يعلي من قيمة الإخلاص والعفاف. ويتنقل بنا بسرعة وعذوبة بين ليلى الأخيليّة، ويفرد لها أكبر مساحة، وأم الورد العجلانية، وهند العجلانية، وفتاة من بني ربيعة، وفتيات من بني عامر، وربما يستوقفه شعر لامرأة من عبد قيس أو أبيات لافتة لأعرابية في أحد المواقف، أو هجاء الدّلماء التغلبية للأخطل، أو أخت جساس وهي ترثى حالها حيث قتل أخوها جساس زوجها كليب...الخ.
يتوقف المرزباني مطولا أمام أخبار وأشعار ليلى الأخيليّة ويورد قصتها مع شعراء هوازن: النابغة الجعدي وحميد بن ثور الهلالي وتميم بن أبي مقبل العجلاني، وأخبارها مطولة مع الحجاج، ويبدي إعجابه بقولها:
«ألا ليت شعري والخطوب كثيرة/ متى رحل قيس مستقل فراجع،
بنفسي من لا يستقل برحله/ ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
أو بمدحها بني كلاب بن ربيعة:
إن كنت تبغى أبا بكر فإنهم/ بكل ساحة قوم منهم أثر
نعمي وبؤسي بآفاق البلاد فما/ ينال أعداؤهم منهم ولا قدروا.
ونستمتع بحكاياته عن الدّلماء التغلبية التي هجت الأخطل، فذهب الأخير إلى أبيها ليشكوها فرد عليه:«هي امرأة مالكة أمرها، وما لي عليها من سلطان»، فأنشد الأخطل:
ألا أبلغ أبا الدّلماء عني/ بأن عجان شاعركم قصير
فإن يصرع فليس بذي انتصار/ وإن يُطعن فطعنته يسير
متى ما ألقه ومعي سلاحي/ يخر على القفا وله نخير
فبلغ ذلك أبا الدّلماء، فأتاه ومعه ناس من قومه، فكف. ويتوقف المرزباني عند أخت جساس ويورد لها أشعاراً يعتبرها من عيون الرثاء:
يا قتيلا خرب الدهر به/ سقف بيتي جميعاً من عل
هدم البيت الذي استحدثته/ وبدا في هدم بيتي الأول،
ورماني قتله من كثب/ رمية المُصمى به المستأصل
يا نسائي دونكن اليوم قد/ خصني الدهر بأمر معضل
خصني قتل كليب بلظى / من ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليوميه كمن/إنما يبكي ليوم بجل
درك الثائر شافيه وفي/ درك الثائر قتلُ مُثكلي
ليته كان دمي فاحتلبوا/ بدلا منه دما من أكحلي
ويسرد عن ليلى العامرية أنها قابلت فتى مقبلاً من نجد فسألته «هل سمعت بذكر فتى يقال له قيس يلقب بالمجنون»؟، فأخبرها أنه قابله وهو يهيم في الصحراء «ما يعقل ولا يفهم»، فبكت ليلى حتى ظنتأن قلبها قد انصدع، وقالت:
«ألا ليت شعري والخطوب كثيرة/ متى رحل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحله/ ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع.
آفاق ممتدة
تذكر المراجع التي أرخت لأعمال المرزباني عشق الرجل للنزعة الموسوعية في الأدب، ففي كتاب بعنوان «الشعر» يتحدث عن فضائله ومنافعه ومضاره وأوزانه وأجناسه وأعيانه وثقافة قائليه ومنشديه ويبين منحوله ومسروقه. وفي كتاب «المؤنق» يذكر أخبار الشعراء المشهورين في الجاهلية وصدر الإسلام بدءاً بامرئ القيس. وفي كتاب «المفيد»نقرأ عن فصل يشتمل على أخبار المقلين من شعراء الجاهلية والإسلام، وأخبار من غلبت عليه كنيته منهم أو اشتهر بكنية أبيه أو عُرف بأمه، أو نسب إلى جده أو عُزي إلى مواليه، وفي فصل آخر يكتب عن نعوت الشعراء وأوصافهم الجسمانية، وفي فصل ثالث يتطرق إلى عقائدهم الدينية ومذاهبهم الكلامية، وفي فصل رابع يرصد من ترك قول الشعر في الجاهلية تجبراً أو في الإسلام تديناً، ومن ترك المديح ترفعاً والهجاء تكرماً، والغزل تعففاً، ومن دار شعره حول معنى واحد. في كتاب:«المستنير»يقوم بالعكس من كتاب«المفيد»بتتبع الشعراء المكثرين وخاصه في عصره.
ويدور كتاب «الرياض» وهو مفقود أيضاً حوال المحبين من الشعراء المخضرمين في الجاهلية والإسلام. وفي كتاب «المعجم»، ومعظمه مفقود، ترجم ل 5 آلاف شاعر موزعين على حروف المعجم.
وتتسع اهتمامات المرزباني الأدبية لتشمل فضاءات أخرى، ففي كتاب الأنوار والثمار«يجمع ما قيل في الورد والنرجس، وما جاء من الآثار والأخبار في ذكر الثمار والنخل وجميع الفواكه. وفي كتاب«الأزمنة»، ويقال إنه يقع في ألفي ورقة، يذكر أحوال الفصول الأربعة وما قالته العرب في كل فصل منها: الصيف والشتاء والاعتدالين والحر والبرد والغيوم والبروق والرياح والأمطار، والاستسقاء وغير ذلك مما دخل في أوصاف الربيع والخريف، فضلاً عن الفلك والشمس والقمر ومنازله وأيام العرب والعجم، والشهور والسنين..الخ.
عاش المرزباني في القرن الرابع الهجري، حيث بلغت الحضارة العربية الإسلامية أوجهاً في شتى العلوم والمعارف، وظهرت الشخصيات التي اتسمت بالموسوعية، والنماذج في تلك الفترة كثيرة، وفي حالة المرزباني نجد أمامنا مثقفاً يتنقل بين مختلف أنواع وفنون الأدب، ولديه ولع خاص بالشعر والشعراء، وكتب عن موضوعات يمكن وصفها بالجديدة أو المبتكرة، حتى في زماننا، واعتمد على تعدد الرواة، حيث لا نجد حكاية يقصها علينا من دون أن يعود إلى أكثر من مصدر أو راوية، واستند إلى ذائقته الجمالية في تفضيل شاعر على الآخر، أو قصيدة على أخرى، وعلى قواعد نقد الشعر. ونحن نقرأ المرزباني نستمتع وأيضا نعرف، و الأهم من ذلك يتأكد لنا أن الشعر كان، وربما سيظل لو راجعنا مقولاتنا المعاصرة بدقة، ديوان العرب، يصور عاداتهم وتقاليدهم، أفراحهم وأحزانهم، آمالهم وانكساراتهم، حروبهم وأيامهم، معارفهم وقصص حبهم، رؤاهم لذواتهم وللآخرين، معارفهم وطرائق سلوكهم، توقعاتهم واستشرافهم للمقبل بحلوه ومره، أي يلخص حياتهم كاملة.