إعداد:محمد إسماعيل زاهر

«الداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور، منها: أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، وقد جمع جماعة تواريخ، ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الملال والطول، فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب.. فأفردت كتاباً في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وكتاباً في الصحابة ملخصاً من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر، وكتاباً حافلاً في طبقات المفسرين، وكتاباً وجيزاً في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي، وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله، وكتاباً في طبقات الأصوليين، وكتابا جليلا في طبقات الأولياء، وكتاباً في طبقات البيانيين، وكتاباً في طبقات الكتاب، أعني أرباب الإنشاء، وكتاباً في طبقات أهل الخط المنسوب، وكتاباً في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية، وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم، ولم يبق من الأعيان إلا الخلفاء، مع تشوق النفوس إلى أخبارهم، فأفردت لهم هذا الكتاب».

النص السابق كتبه جلال الدين السيوطي في مقدمة كتابه «تاريخ الخلفاء»، وما أنجزه طوال حياته يتجاوز ما كتبه في هذا النص الذي يشعر القارئ بأنه أمام رجل يحلم بالتوثيق للمعرفة في عصره أو الإحاطة بها من جميع أطرافها، أمام السيوطي لابد أن تبهرك موسوعيته ومؤلفاته ورسائله التي لا تبدأ من تفسير القرآن وعلومه ولا تنتهي برسالة كتبها بعنوان «التبري من معرة المعري» ليجيب فيها عن ذلك الاستفهام الذي تركه المعري في واقعة شهيرة حين تحدى خصمه بإيراد سبعين اسماً عربياً للكلب، وفي هذا القوس من الكتابات يتنقل بك السيوطي بين الحديث والفتوى والنحو واللغة والأدب والتاريخ، هو موسوعة متنقلة بذاتها، حتى أنك لابد أن تسأل عن الوقت الذي انجز فيه كل هذا، ويذكر تلميذه المؤرخ ابن إياس أن مصنفات السيوطي بلغت 600 مصنف وعدد له المستشرق بروكلمان 415 مؤلفاً وحاجي خليفة 576 كتاباً.
يصادفك اسم السيوطي في كثير من الكتابات التي تتناول التراث العربي والإسلامي، فتجد المستشرق غولد تسيهر وهو يكتب عن «مذاهب التفسير» يقف مندهشاً أمام قدرة السيوطي على جمع 10 آلاف حديث نبوي شريف تؤيد حث النبي الكريم المسلمين على تفسير القرآن قبل أن يشرع السيوطي في تفسيره.
وتنوع تلك المصنفات بين حقول المعرفة الإنسانية المختلفة يؤكد أن الرجل عاش حياته يستنشق العلم، ولم يترك من علوم عصره إلا الرياضيات والمنطق فأنه لم يشتغل بهما، ووزع بعضهم أيام حياته على عدد صفحات مؤلفاته ليصل إلى نتيجة مؤداها أنه كان يكتب أو يملي 40 صفحة في اليوم.

ولد جلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد الأسيوطي، في القاهرة في عام 849ه، وتوفي في عام 911ه، واسمه معروف في معظم البيوت الإسلامية نتيجة لسلسلة من المصاحف كانت تطبع وعلى هامشها تفسير الجلالين، جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، ويقال إنه بدأ التأليف وهو في سن السابعة عشرة، وحفظ القرآن الكريم كاملا وألفية ابن مالك ومنهاج الفقه والأصول وهو دون العاشرة، وارتحل في طلب العلم إلى بلاد الحجاز والشام واليمن والهند والمغرب، وأجيز في تدريس العربية وهو السادسة عشرة ولم يمر عام آخر إلا وكان قد كتب «شرح الاستعاذة والبسملة»، ولزم العديد من علماء عصره حتى يأخذ منهم منابع العلم، فصحب شرف الدين الكافيجي أربعة عشرة عاماً وأخذ عنه التفسير والأصول وعلوم العربية، ولم يكن يقصر في السفر داخل الديار المصرية بحثا عن العلماء والاستماع إليهم والجلوس معهم.

مناخ العصر

جلس السيوطي للإفتاء في عام 871، وأملى الحديث في العام التالي، ويقول عن نفسه: رزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبديع، ولكن كتاباته أوسع من ذلك بكثير، ودرس في جامع أحمد بن طولون والخانقاه البيبرسية، واشتبك مع الصوفية، الذين عج بهم عصر المماليك، حتى ترك التدريس وتفرغ للتأليف وهو على مشارف الأربعين، وكتب في ذلك رسالة بعنوان «التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس».

عاصر السيوطي 13 سلطاناً مملوكياً ولم تكن علاقته بهم طيبة، حتى أنه فر من بيته في زمن السلطان طومان باي الأول والذي حاول الفتك به، ولم يكن يقبل هدايا الأمراء، وربما بروح الفقيه وعالم الدين والمؤرخ والمثقف لم يكن يقبل شرعية دولة المماليك نفسها ويظهر ذلك في سرده بفرح لخلافة المستنصر بالله أحمد أول خلفاء بني العباس في القاهرة في عهد الظاهر بيبرس.

كتب السيوطي في علوم القرآن: «الإتقان في علوم القرآن»، «متشابه القرآن»، «الإكليل في استنباط التنزيل»، «مفاتيح الغيب»، و«طبقات المفسرين»، وفي علوم الحديث: «إسعاف المبطأ في رجال الموطأ»، «تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك»، «جمع الجوامع»، و«طبقات الحفاظ»، وفي الفقه: «الحاوي في الفتاوي»، «الجامع في الفرائض»، وفي اللغة وعلومها: «الأشباه والنظائر في اللغة»، «عقود الجمان في علم المعاني والبيان»، وفي التاريخ كتب 55 كتابا، منها: «تاريخ الخلفاء»، «الشماريخ في علم التاريخ»، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، «عين الإصابة في معرفة الصحابة»، «در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة»،«طبقات الأصوليين»، «بغية الوعاة في طبقات النحاة»، وله الكثير من الرسائل ذات الموضوعات اللطيفة، منها: «الفارق بين المؤلف والسارق»، الرد «على من أخلد إلى الأرض وجهل ان الاجتهاد في كل عصر فرض»، «الرحمة في الطب والحكمة».. الخ.

في كل كتاباته تجد السيوطي ذلك العالم المتمكن من أدواته، وأيضا ذلك الأديب العارف بأحوال من يقرأ موضوع كتابه، في «تاريخ الخلفاء» يمتزج الفقيه بالمؤرخ وهو يكتب عن الخلفاء الراشدين، ثم يستولي عليه حس المؤرخ وهو يكتب عن الأمويين والعباسيين، وتشعر بأنك أمام عالم كلام ومفتي وهو يرفض خلافة «العبيديين» ويقول إن الجهلة فقط هم من يسمونهم ب«الفاطميين».

أما في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، فهو الأديب عندما يكتب عن تاريخ مصر القديم، والمؤرخ لحكامها والراصد لخططها وجوامعها وأسبلتها وأسواقها ومدارسها وحتى بساتينها وثمارها وحدائقها، وحوادثها العجيبة من زلازل وأوبئة وتمرد البعض على الوالي وأيضاً أعراسها، ولنستمع إليه يصف زفاف قطر الندى بنت خمارويه: «وفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين زفت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، من مصر إلى الخليفة المعتضد، ونقل أبوها في جهازها ما لم ير مثله، وكان من جملته ألف تكة بجوهر وعشرة صناديق جوهر، ومائة هون ذهب، ومعها مائة ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية».
ويمتعك وهو يذكر الوقائع الغريبة التي سمعها أو قرأ عنها، يقول في الكتاب نفسه: وفي سنة أربع وثمانين ومئتين ظهر بمصر ظلمة شديدة، وحمرة في الأفق حتى جعل الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جداً، وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل، فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون إليه حتى كشف عنهم، حكاه ابن كثير، ويتابع في مكان آخر: «وفي سنة تسع وتسعين ومئتين، ظهر ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما، ثم تضمحل، حكاه ابن الجوزي».
وتمتد آفاق المعرفة بالسيوطي ليكتب «المقامات»، ولكنها ليست كالمقامات القصصية التي عهدناها عند الهمذاني والحريري، حيث يكتب عن «المقامة المسكية» ويتحدث فيها باستفاضة عن المسك، والمقامة الوردية، والتفاحية، والزمردية، والفستقية، والياقوتية، يتتبع تحت كل مقامة فائدة ما يكتب عنه وفضاءاته المختلفة في الأدب والتاريخ، فيقول في المقامة «الزمردية»: «سأل سائل عن الخضروات السبعة المنفردة بالرواء واللمعة، وما أجدى منها نفعه، وأجدر وقعه، وأسرع وضعه، وأنصع في فن الطب شرعه، فقال السيوطي: على الخبير سقطتم، ومن البحر لقطتم، وسأنبيكم بما يفوق حكمة بقراط من غير تفريط ولا إفراط» ويبدو هنا ظرف الأديب وخبرته بفنون الطب.

الخوف على العلم

ويسرد عن طريق الشعر في رسالته الصغيرة «التبري من معرة المعري» قصة المعري الشهيرة مع خصمه الذي أهانه، فتحداه صاحب «رسالة الغفران» بأن يذكر سبعين اسماً عربياً للكلب، يقول:

قد نقل الثقات عن أبي العلا

لما أتى للمرتضى ودخلا
قال له شخص به قد عثرا
من ذلك الكلب الذي ما أبصرا
فقال في جوابه قولا جلي
معبرا لذلك المجهل
الكلب من لم يدر من أسمائه
سبعين موميا إلى علائه

وقد تتبعت دواوين اللغة

لعلني أجمع من ذا مبلغه
فجئت منها عددا كثيرا
وأرتجي فيما بقي تيسيرا
وقد نظمت ذاك في هذا الرجز
ليستفيدها الذي عنها عجز

ويسترسل السيوطي بعد ذلك في شعره في ذكر أسماء الكلب، ومنها: «الباقع»، الخيطلس، «الفلحس»، «العربج»، «الأعقد»، «العملس»، «القطرب»،... الخ، ويتتبع أصوات الكلب ونتاج تزاوجه مع الذئب، واسم كلب الماء وكلبة الماء...الخ.

عاش السيوطي في القرن التاسع الهجري، وككل مؤلفي ذلك العصر مثل القلقشندي والنويري وغيرهم، كان هناك حس الخوف على العلم، واللهاث وراء جمعه وتبويبه في موسوعات كبرى بعد تلك الضربات القاصمة التي حلت بديار العرب والمسلمين، وكانت واقعة دخول التتار بغداد ماثلة في أذهان جميع مؤرخي هذا العصر، حتى أن السيوطي يخصص فصلاً كاملاً في «تاريخ الخلفاء» للتتار يشرح فيه موقع بلادهم وعاداتهم وتقاليدهم ويحذر منهم بوجل ورعب قائلاً «وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء، يقتلون الرجال والنساء والأطفال، وكأن قصدهم إفناء النوع، وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال»، هو الخوف على الحضارة وعلومها وإنجازاتها في مواجهة التوحش، وإلا ما معنى أن يقوم فقيه ومؤرخ وعالم لغة برصد الحدائق والأزهار وأنواع الثمار، هو الخوف على العمران من الاندثار والضياع والنسيان، والانفلات حتى من الذاكرة، وكأنه يحفظ كل ما يعرفه ليس من العلم المقروء والمسموع/ المحفوظ وحسب ولكن المكتسب من الحواس أيضاً، ما يشاهده وهو يسير في الشوارع وما يسمعه من الأفواه وحتى ما يشمه ويلمسه ويتذوقه، ويدون حواسه هذه في الأوراق ويتلوها على تلاميذه، ليقول للأجيال المقبلة، في حال عودة التتار، كانت هنا حضارة لم تتأسس على كتب وعلوم وحسب، ولكنها أيضا شهدت المدارس والأسواق والأسبلة والحدائق، كان هنا قوم يحبون العلم ويعشقون الحياة، وهما أهم ركيزتين في العمران.