الشارقة: غيث خوري

عرفت العمارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، فترات من التألق والتطور الكبير في الهندسة والتصميم، وكانت النوافير التي ذخرت بها الحدائق في كل الأرجاء الإسلامية، أحد معالم التميز في هذا العمارة وأحد مظاهر تفوقها الجمالي والهندسي.

تعد النوافير من الفنون المعمارية التي تبرز جمال الطبيعة، وتبث المباهج في النفوس، ولذلك اهتم المسلمون أيما اهتمام بهذا الفن وأولوه جزءاً كبيراً من عنايتهم، وهذا الاهتمام لم يكن وليد فترة معينة، بل وُلد مع ميلاد الإسلام الذي حثَّ على أن يُعمر الناس الأرض بعنصر الخضرة ممثلةً في الغرس والزرع المثمر والماء، لذا فقد اجتهد المصمم والمهندس المسلم في نقل الماء من مصادره المختلفة إلى تشكيلات حجرية من برك و أحواض و نوافير بأشكال مختلفة لتحقيق تلك الغايات البيئية و الجمالية.

وقد بقيت النوافير في الحدائق الأندلسية بنماذجها المتنوعة والرائعة شاهداً على عظمة العمارة الإسلامية، بما حققته من عناصر الجذب في الحديقة الأندلسية وما أضفته من سحر وجمال، وأهمية في تلطيف الهواء برذاذ الماء المتطاير منها، و جمالية أشكال الماء الذي تقذف به من فوهاتها و أصوات تساقط المياه على الأحواض.

وقد عمل الأندلسيون على تزويد قصورهم وبيوتهم وحدائقهم ومساجدهم بأنواع مختلفة من النوافير من حيث أشكالها وأحجامها، وحسب المساحات والأماكن التي خصصت لها.
لقد اختلفت أشكال النوافير الأندلسية باختلاف أماكن تواجدها، وحسب الغاية المرجوة منها، فكانت تتناسب مع مساحة المكان وما يحيط بالنافورة من أشجار ومباني، وقد تم مراعاة الدقة في اختيار المكان المناسب لإنشاء النوافير، بحيث تظهر كجزء أساسي في تنسيق هذه الأماكن.
ومن أشهر النوافير الأندلسية نافورة الأسود المزخرفة في قصر الحمراء في مدينة غرناطة، وهي نافورة رخامية، يبلغ قطرها حوالي 3.5 م، وعمقها 65 سم، ويحمل حوضها المرمري المستدير الضخم اثني عشر أسداً نحتت من الرخام الأبيض، و يبلغ ارتفاع كل واحد منها نحو 82 سم، وتجمع الماء من أفواهها لتصب في أربع قنوات متقاطعة تنساب المياه فيها لتنتهي اثنتان منها بنافورتين رخاميتين صغيرتين داخل القاعتين الواقعتين في شمال وجنوب الفناء، وكانت هذه النافورة عبارة عن ساعة، يخرج الماء عند الساعة الواحدة من فم أسد واحد، ثم عند الثانية من فم أسدين، وهكذا عند الساعة الثالثة والرابعة إلى أن يخرج الماء من أفواه جميع الأسود عند الساعة الثانية عشرة، ولكن هذا النظام تعطل حين سقطت الأندلس، وحاول الإسبان معرفة نظامها فأفسدوها.
كما كانت المياه المتدفقة من النافورات في جنة العريف بغرناطة توجه بمهارة فائقة حول حافة حوض المياه، فينتج الماء المتدفق تموجات نصف دائرية عندما يتساقط على الحوض المائي، وهذا الأسلوب هو إضافة إسلامية لم تكن موجودة من قبل
ولقد كانت الأحواض المائية تحتوي أحياناً على أسماك أو أنواع من الطيور كالبط، فكانت النافورات على جوانب هذه الأحواض تمنع وجود الحشرات على سطح الماء، كما استخدمت النافورات أيضاً لإطلاق الرذاذ المائي، لتلطيف وترطيب الأجواء بأقل كمية ممكنة من الماء.