فتحت قضية مقتل الطفل عبيدة التي أثارت المشاعر كافة، لبشاعة الجرم بتفاصيله السوداوية، أبواب التساؤلات على مصراعيها عن فكرة انتداب المحامين في القضايا البالغة القسوة للدفاع عن المتهمين، في ضوء اعتذار أكثر من محام عن الدفاع عن القاتل، ومن ثم قبول أحدهم بذلك مع تأكيده أنه لا يرتكب جريمة بالدفاع عن القاتل، وقوله بذلك حق في ضوء نص المادة «4» من قانون الإجراءات الجزائية لدولة الإمارات، القانون الاتحادي رقم 35 لسنة 1992، المتعلقة بالحق في الاستعانة بمحام.
بعض المحامين يرون أن قبولهم الدفاع عن مجرم كالمرجم الذي قتل الطفل عبيدة، يعد جريمة يرتكبونها بكامل إرادتهم، في حين أن محامين آخرين يقولون إنه لو قام ذوو القاتل بتوكيل المحامي لقبل لأن في ذلك مقابلاً مادياً كبيراً، أما في حالة الانتداب من قبل المحكمة فإن الأمر يختلف.
تنص القوانين على وجوب أن يكون لكل متهم في جناية يعاقب عليها بحكم الإعدام أو بالسجن المؤبد، محام للدفاع عنه في مرحلة المحاكمة، وإذا لم يوكل المتهم محامياً، تعيّـن المحكمة محامياً له وتتحمل الدولة مصاريفه كما ينص القانون، كما يجوز للمتهم في جناية يعاقب عليها بالسجن المؤقت، أن يطلب من المحكمة أن تعين له محامياً للدفاع عنه، بعد التحقق من عدم قدرته على توكيل محام.
والتسليم الكامل بالنصوص القانونية، تبرز مجموعة من التساؤلات التي تشكل في إجابتها إضاءة مجتمعية واجبة، وهي: هل من حق المحامي الاعتذار عن عدم الدفاع، وما الحالات التي قد يتراجع فيها محامون عن ذلك؟ وهل من إجبار قانوني أو قضائي ملزم للمحامي بتنفيذ تكليف الانتداب؟ وهل من مساءلة قانونية للرافض تنفيذ الانتداب؟ وهل يمكن للمحامي المنتدب في القضايا بالغة الخطورة والأذى، الحصول على براءة لموكله؟ وما الأسانيد التي يمكن أن يعتمد عليها في هذا الصدد؟
عن ذلك وغيره جاءت ردود عدد من المحامين:
بشاعة الجريمة
المستشار القانوني د. يوسف الشريف تساءل: مَن المحامي الذي يوافق على الترافع في قضية ما واضحة المعالم وظاهرة للعيان، وتمس الرأي العام، ثم يعلن لاحقاً وعلى الملأ، الانسحاب منها لبشاعة الجريمة؟ فهل يرجع ذلك للعجز في استخلاص نتائج تنقذ الموكل من هؤلاء؟
وقال: يغلب على عدد من المحامين الرغبة في الظهور على حساب موكليهم، في حين يجب أن يطلع المحامي على ملف القضية قبل أن يقبلها أو يرفضها، وفي كل الأحوال يتأتى دفاع المحامي من قناعته بتطبيق أحكام القانون، وليس عن فعل الجريمة في حد ذاته، والمحكمة لا تستطيع أن تجبر أحداً على الترافع، حيث تراعي ظروف المحامين في القضايا القاسية، وتقدر موقفهم الإنساني، وإن كان من أحكام القانون أن المحامي الذي يرفض قرار تكليف المحكمة له بالترافع، يغرم بمبلغ معين، فيما من حق المحكمة بشكل عام تكليف المحامين وفق الجدول، بالقضايا التي يوجب القانون تنصيب أي منهم فيها.
وإجمالاً، لا توجد قضية خاسرة بنسبة 100 %، لأن المحامي يعمل على النقاط الإجرائية في القضية، ويستغل نقاط التناقض في الوقائع، لكي يبرئ موكله، ويخفف عنه العقوبة، وهذا حق مشروع، انطلاقاً من قاعدة «ادرأوا الحدود بالشبهات».
لا يجوز أدبياً
وقال المحامي أحمد الزعابي: لا يجوز من الناحية الأدبية إذا انتدب المحامي لقضية معينة التراجع عن قبول الترافع فيها، حيث إن الهدف من ندب المحامي هو بيان وجه الحكم القانوني في الدعوى وموقف المتهم منها، وقد نص القانون في القضايا الجنائية على أن يحضر المتهم مع محامي وجوباً، فإذا لم يستطع تكليف محام للدفاع عنه، وجب على المحكمة انتداب محام، وفي بعض الأحيان قد يتعاطف الرأي العام مع الضحية، في حين أن المتهم ذاته قد يكون ضحية الإهمال، والتفكك الأسري، والتربية الخاطئة التي تؤدي به إلى أن يصبح مجرماً، رغم أنه قد يكون مريضاً وفي حاجة للعلاج والدفاع عنه، لأنه ليس هناك مجرم بالفطرة بوجه عام، وإنما هي ظروف اجتماعية وأسرية تنتج أفراداً غير أسوياء.
ومن المؤكد أن السبب الرئيسي في عدم قبول معظم المحامين الترافع في قضايا الانتداب، يعود إلى أتعابها المادية البسيطة جداً، في حين إذا تم توكيل المحامي من ذوي المتهم، فسيقبل فوراً، لأن الأتعاب في قضايا القتل لا تقل عن 100 ألف درهم، بل سنجد أن أكثر من محام سيتهافتون على فكرة الدفاع عن المتهمين في هذه القضايا، إذا وكّلهم ذوو المتهمين، وهناك قضايا المخدرات التي تعد أشد ضرراً على المجتمع، ويترافع عن المتهمين فيها عدد من المحامين، وكذلك قضايا خيانة الوطن والمجتمع، التي يترافع عن المتهمين فيها محامون، فهل المحامي يوافق على الدفاع عن متهم خان نفسه ووطنه بالكامل، ويرفض حين انتدابه، الدفاع عن قاتل قد يكون مريضاً نتيجة ظروفه؟ بشكل عام لا يوجد عذر للمحامي في رفض انتداب المحكمة للترافع في قضايا الجنايات، لأن هذا العمل يعد تطوعياً لواجب جاء بنص القانون.
حق مقدس
وقال المحامي سعيد الطاهر: حق الدفاع من أقدس الحقوق التي عمل الإنسان على مر العصور على حمايتها، وإحاطتها بالضمانات كافة، وكانت المحاماة هي الجهة الرئيسية الأولى التي أنيطت بها هذه المهمة، وخاصة حين يكون المتهم أو المعنى بالأمر لا يستطيع بحكم وضعه المالي، توكيل محام للدفاع عنه.
وقد أخذ المشرع الإماراتي بوجهة النظر هذه، حيث نصت المادة «4» من قانون الإجراءات الجزائية على أنه «يجب أن يكون لكل متهم في جناية معاقب عليها بالإعدام أو بالسجن المؤبد محام للدفاع عنه في مرحلة المحاكمة، فإذا لم يوكل المتهم محامياً عنه ندبت له المحكمة محامياً تتحمل الدولة مقابلاً لجهده، على النحو المبين في القانون، وللمتهم في جناية معاقب عليها بالسجن المؤقت أن يطلب من المحكمة أن تندب له محامياً للدفاع عنه إذا تحققت من عدم قدرته المالية على توكيل محام، وإذا كانت لدى المحامي المنتدب أعذار أو موانع يريد التمسك بها، فعليه إبداؤها بدون تأخير إلى رئيس محكمة الجنايات، وإذا قبلت الأعذار يندب محام آخر.
ومن ذلك النص يتبين أن المشرع الجنائي أوجب على المحكمة ناظرة القضية ضرورة حضور محام للدفاع عن المتهم في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام، أو السجن المؤبد، وفي حال كان المتهم عاجزاً عن تكليف محام، كان واجباً على المحكمة ندب احد المحامين للدفاع عنه، ولا يحق للمحامي المنتدب رفض قبول التكليف إلا بعذر مقبول، وقد رتب قانون الإجراءات الجزائية في مادته 194 عقوبة الغرامة التي لا تتجاوز ألف درهم، في حال تخلف المحامي المنتدب للدفاع عن الحضور دون عذر مقبول.
وكذلك فإنه لم يرد في القانون حالات على سبيل المثال أو الحصر، يجوز فيها للمحامي أن يعتذر عن عدم قبول تكليف المحكمة له بالدفاع عن أي متهم، ولكن كل حالة تقدر بقدرها حسب سلطة المحكمة التقديرية.
وقال المحامي حميد مبارك الغفلي: يمكن للمحامي تقديم اعتذار بعدم قبول الانتداب لأسباب كثيرة، منها استشعار الحرج لأسباب منها مثلاً أن الجريمة غير إنسانية، أو أن المحامي لا يعمل في مجال تلك القضايا، أو لعدم القدرة على الحضور بسبب السفر، أو المرض، أو بسبب ظروف شخصية، مثل وجود خلاف مع المتهم أو أهله، أو يكون قد سبق توكيل المحامي في قضايا ضد المتهم، أو لوجود خلاف مع المجني عليه في بعض القضايا التي تقع على الإنسان.
العـــدالــــة والشــفــافــيــــة
قال المحامي حسن الرئيسي: اعتذرت عن قضية عبيدة، لأنه من الصعوبة بمكان لي كأب أن أقبل الترافع في مثل هذه القضايا البشعة، ولن أتردد في تقديم ألف عذر لو تم تكليفي، حيث لم نكن نعلم بأن الانتداب الذي وصلني يتعلق بالمتهم في قضية عبيدة، إذ تسلّمت أمر التكليف الذي لا يوجد فيه تفاصيل القضية، وكان اسم المتهم مبهماً، ولم أكن قد زوّدت بملف القضية حتى أقف على تفاصيلها، إلا أنه بعد تسلّم الملف تبين لي أنها تخص قضية عبيدة، فتقدمت بالاعتذار في اليوم نفسه عن طريق موقع النيابة العامة، وأكدت اعتذاري في يوم الجلسة ذاته، علماً بأنني لا أقبل القضايا اللاأخلاقية بصورة قاطعة ومهما كانت أتعابها، ما لم أتأكد من براءة المتهم، وأن التهمة ملفقة له.
كما أن هناك ضمانة أخرى في قضايا الإعدام، وهي أن أحكامه يجب أن تكون بإجماع هيئة المحكمة، وإذا تخلف عن ذلك، فيُستبدل بالسجن المُؤبد كما في المادة 218 من قانون الإجراءات الجزائية الاتحادية المعمول به حالياً، وحتى بعد صدور حكم الإعدام على أي متهم، فإن الحكم لا يتم تنفيذه ويتم استئنافه تلقائياً بحكم القانون وفق المادة 230، «ويعدّ الحكم الصادر بعقوبة الإعدام مستأنفاً بحكم القانون وموقوفاً تنفيذه»، وكذلك لا يتم تنفيذه إلا بعد أن تقول محكمة الطعن حكمها و تصادق على الإعدام.
ومما لا شك فيه أن المحكمة في أية قضية من مثل هذه القضايا شديدة الحرص قبل نطقها بالحكم، حيث تمحصها، لأن المتهم فيها قد يكون ليس هو الفاعل الوحيد، فربما معه شركاء يحاول التستر عليهم، قد يكونون أخطر على المجتمع منه. وبشكل عام أثبتت المحاكم الإماراتية جدارتها في مثل هذه القضايا، حيث لا يمكن أن يحكم على بريء بالإعدام، ولا يمكن لمتهم يرتكب الجرائم البشعة أن يفرّ من العقوبة المناسبة.