شاب رأسه بين التعليم الحديث والتدريس والتخطيط وبين العمل الجاد مع قائد جاد، كما شاب رأس أسرته بين دراسة العلوم الشرعية وتدريسها وبين تولي القضاء والإفتاء والخطابة في زمن جاد.
إنه الدكتور عبد الرحمن حسنين مخلوف خريج كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1950 والحاصل على الدكتوراه من جامعة ميونيخ عام 1975 وهو من مواليد عام 1924.
والده الشيخ حسنين مخلوف رحمه الله تعالى، أزهري قحّ، عمل مفتياً للديار المصرية لسنوات، وكان عضو هيئة كبار العلماء توفي عام 1990، كما أن جدّه الشيخ محمد حسنين مخلوف، كان عضو هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها عام 1911 ويعد من شيوخ الأزهر الكبار.
أما دكتورنا الفاضل عبد الرحمن مخلوف المنحدر من تلك السلالية العلمية، طاف بالمملكة العربية السعودية خبيراً من قبل الأمم المتحدة، وعاد إلى القاهرة أستاذاً قديرا لتخطيط المدن عام 1965، ثم ألقى عصا التسيار في مدينة أبوظبي عام 1968.
ويومئذ كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله حاكماً لإمارة أبوظبي، فعينه مديراً لتخطيط المدن في أبوظبي، فتولى التخطيط وتولى مهام إنشاء دائرة تخطيط المدن في أبوظبي والعين، وظل على رأس عمله حتى عام 2014، ولفترة عمل مدرساً في كلية الهندسة بجامعة الإمارات.
يعد الدكتور عبد الرحمن مخلوف المخطط الأول لمدينة أبوظبي وبصماته امتدت إلى مدينة العين، وكان له حضور بالصوت والصورة يوم إنشاء جامعة الإمارات عام 1976، وكان الشيخ زايد رحمه الله تعالى يستشيره كلما لزم الأمر، وفي عام 2010 كرمه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بجائزة أبوظبي.
أهداني الدكتور مخلوف أحدث مؤلفاته وهو كتاب: «رحلة العمر مع العمران» الصادر عام 2016، كما أهداني كتابه الآخر «نصف قرن مع تخطيط المدن».
يقع الكتاب الأول في 773 صفحة من الحجم الكبير، والكتاب الثاني في 259 صفحة من الحجم المتوسط، وفي الكتابين تحدث مخلوف عن نشأته في بيت علم، وقد سمى ذلك البيت بيت الأجيال الثلاثة: الجد والوالد والإخوة، وهم من الصعيد الأوسط بمصر ينتمون إلى بني عدي نسبة إلى عدي بن كعب الذي ينتمي إليه أيضاً الشيخ الدردير المالكي صاحب الشرح الصغير وأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك. ومن يقرأ كتابي مخلوف يجد فيهما عراقة جغرافية، وعراقة نسبية، وعراقة علمية، كل ذلك في آثاره العلمية والهندسية التي بين أيدينا اليوم.
كيف لا وقد تشرب قلبه وفكره من نيل مصر وترعرع في أرض الكنانة، ودرس بعد مصر في ألمانيا، وعمل في الأراضي المقدسة بالحجاز، ثم اختمر فكره وخبرته مع عصارة سنوات عمل في أبوظبي دار زايد الخير الذي أحب كل الناس، فأحبه الناس كلهم.
نعم.. والمتأمل في كتب الدكتور مخلوف يجد أمانته العلمية وجهوده المهنية الهندسية ودقته الفنية في رسم التخطيط العمراني ومعالم أبوظبي عاصمة الاتحاد، ورغم أنه قدم إلى أبوظبي عام 1968 إلا أن كتبه تحدثت عن بداية مراحل تحديث مدينة أبوظبي أي منذ عام 1961.
ولم ينس المؤلف أن يبرز اهتمامه بالفن الإسلامي، وقد عرض نماذج للمساجد عبر التاريخ في العالم ثم في أبوظبي وأطرافها، حيث كان الشيخ زايد رحمه الله من أولوياته الاهتمام بالمساجد والأسواق والشوارع والمباني والمدن عامة.
والكتاب مملوء بالصور ويكاد يظهر الدكتور مخلوف مع الشيخ زايد في كل صورة، حيث إنه كان يرافقه في تجواله ومتابعاته للمشاريع العمرانية كالجامع الكبير في شارع المطار ومطار أبوظبي ومدينة زايد الرياضية وقصر الحصن ومنطقة السوق والطرق الحديثة عموماً، ثم المناطق الجديدة من بيوت ومبان تجارية إلى فلل سكنية عالية الجودة.
يقول الدكتور مخلوف: «كان الشيخ زايد أكبر مخطط ومعلم منه نستمد الفكرة قبل أن نخطط، وكان زايد يعشق الأجمل والأفضل ولا يهمه كم يكلف المشروع المهم أنه يحقق حلمه الكبير وهو بناء الإنسان والعمران».
لذلك يقول مخلوف بأنه مدين للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد ذلك الرجل العروبي المسلم الإنسان، وقد تعلم عبر ثلاثة عقود في مدرسة زايد أكثر مما تعلمه في مصر وميونيخ.
وإنني في الواقع لا أستطيع أن أتحدث عن إنجازات المغفور له الشيخ زايد في إمارة أبوظبي، ولا أستطيع أن أعبر على لسان الدكتور مخلوف الذي جمع بين المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة، فالأفضل أن أحيل القارئ إلى كتابه الذي حمل الكلمة والصورة والرسم التخطيطي لمدينة أبوظبي، والكتاب يوثق النهضة العمرانية لمدينة أبوظبي خلال الفترة من 1968 إلى 2014.
ورحم الله الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لرئيس الدولة سابقاً، الذي عرّفني إلى الدكتور عبد الرحمن مخلوف، وإنه اليوم تحت أطباق الثرى ينعم بنعيم بشرى المؤمن، ولو كان حياً لفرح كثيرا بهذا الكتاب ولأشاد بدور المؤلف وجهوده.
والدكتور عز الدين كان من أبر أصدقاء الدكتور مخلوف وأقدمهم، وإنني أعرف عز الدين تمام المعرفة، لقد كان شيخاً وقوراً ووالداً عطوفاً، وعالماً ضليعاً وملماً بعدة لغات حية.
وقبل ذلك كان إنساناً متواضعاً محباً للخير، فرحمة الله على الشيخ زايد بن سلطان، والدكتور عز الدين إبراهيم، وبورك في عمر الدكتور المخضرم عبد الرحمن مخلوف، وبورك في كتابه الذي يعد مرجعاً لكل من أراد أن يقرأ عن تخطيط مدينة أبوظبي.
عبدالرحمن مخلوف يؤرخ للنهضة العمرانية في أبوظبي
3 أغسطس 2016 02:51 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 أغسطس 02:51 2016
شارك
د. عارف الشيخ