مع أن العطاء لا يحمل في طياته معنى الفائدة، فإن للعطاء فوائد يحس بها صاحب العطاء، وهي تتمثل في: العلاقات الجديدة والشعور بالأمان والشعور بالقوة والفخر والإنجاز، فضلاً عن الشعور بالسعادة وبمحبة الآخرين وبكسب محبتهم، وتكمن المفارقة في أنك عندما تعطي لن تتلقى شيئاً، وعندما تعطي بسعادة وبهجة وتضحية وحب تستفيد كثيراً، فالتوجه الذي تتبناه عند عطائك سوف ينعكس فوائد تنعم بها وحدك.
ومن أجمل ما قرأت في موضوع العطاء: «في أحد الأيام ذهبت إلى موضع قريب من منزلنا.. كانت النشاطات الصيفية تملأ ذلك المكان، وضحكات الأطفال تتعالى في السماء.. جلست أنظر كيف يعامل أحد المسؤولين الأطفال الذين من حوله، وبعد بضع دقائق ذهبت إليه وسألته: كيف تستطيع أن تتعامل مع من أصغر منك بكثير ويمكنك التأثير فيهم هكذا؟ ابتسم وقال بهدوء جله التواضع: إنه العطاء لا أستطيع أن أرى حياتي من دون عطاء.. لا يمكنني أن أفهم نفسي ولكن تغلي مشاعري عندما أرى مكاناً يمكنني أن أعطي فيه لأن هذا المكان يشعرني بالسعادة.. أرى ذاتي فيه وأرى ذاتي في الآخرين لذلك أكون سعيداً.. هنا تصلبت أفكاري في لحظتها لهذا الكلام الذي سمعته فقد كان له وقعٌ كبير داخلي. عندما نفكر ملياً في كيفية العطاء وماهية العطاء بحدِ ذاتها، نجد الموضوع فيه شيء من التعقيد وشيءٌ من البساطة في آن واحد..المعقد في الموضوع هو: كيف أعطي بعض الأشياء وأنا لا أملكها أصلاً؟ وأيضاً كيف أعطي من أعماقي وأنا منغمس في دوامة الأنانية التي رماني فيها عالم اليوم؟ أما البساطة في الموضوع فتكمن في السيطرة على مشاعر الفرح الداخلي.. في لحظتها يظهر عطاؤنا وهو مزينٌ بأبهى معاني التواضع والسعادة».
نعم نستطيع تلقي دروس في العطاء مما حولنا. لنتأمل الأرض على سبيل المثال، فكما أن الشمس مصدر الحياة على الأرض، فالأرض مصدر الحياة للكائنات الحية من الإنسان إلى الحيوان والنبات وباقي المخلوقات، ويبقى ما يختلف هنا هو تعامل كل صنف من هذه المخلوقات مع الأرض، وفي ما يخص الإنسان فقد عاش على سطح الأرض في مراحل حياته الأولى معتمداً على ما تجود به الطبيعة عليه من مأكل ومشرب، وملبس متنقلاً من مكان إلى آخر إلى أن اكتشف الزراعة التي يعد اكتشافها بداية مرحلة التمدن عند الإنسان فاستوطن في مكان محدد وبدأ يؤثر في الطبيعة.

النجدي عماد