يعد كتاب «تطور الفكر السياسي» لجورج سباين والصادر في خمسة أجزاء، في طليعة المراجع العالمية التي جمعت شتات النظريات السياسية، منذ فجر التاريخ، ونفذت إلى صميمها، تحللها تحليلاً عميقاً، يجمع بين دقة البحث العلمي والإنصاف في موضوع شائك، هو موضوع كل عصر، وموضوع كل دولة، بل كل فرد، ويندر أن تخلو مكتبة أي عالم مشتغل بالعلوم السياسية، أو الفلسفية، أو الدستورية من هذا المؤلف في طبعته الأمريكية أو الإنجليزية أو في طبعاته المترجمة.
وهنا يقول المترجم حسن جلال العروسي: «نحن إذ ننقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية إنما نفعل ذلك على أمل منا في أن يسهم هذا المرجع النفيس في تزويد المكتبة العربية بأمهات الدراسات العالمية في هذا الميدان، وقد قامت الحضارة الإسلامية في أوجها بنقل التراث اليوناني بوجه خاص إلى اللغة العربية، وبذل مترجمو العرب في ذلك مجهودات رائعة، بالرغم من الصعوبات التي كانوا يلقونها في نقل المصطلحات وتطويع اللغة العربية للأساليب الأجنبية في التفكير والبحث، فانتقل بذلك محور الحضارة قروناً عدة إلى الشرق، وصارت اللغة العربية أداة تعبير عن هذه الحضارة، إلى حد أن أوروبا نقلت قانون ابن سينا - على سبيل المثال - إلى اللغة اللاتينية وأصبح المرجع الذي يدرس في جامعاتها حتى القرن الثامن عشر».
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1954، وقدم لها الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري قائلاً: وأحسب أن هذا الكتاب قد طلع على القراء في وقت مناسب، ووجه المناسبة فيه أن البلد في سبيله إلى وضع دستور جديد، وعند إلى إلغاء الدستور القديم، وسخط على العهد الماضي، فتنكر له، وقال عن مساوئ ذلك العهد الشيء الكثير، فهو عهد لا يقيم وزناً للدستور، لا سيادة فيه للقانون، فالبلد إذاً في حاجة إلى أن يتعلم شيئاً جديداً، يقيم على أساسه دستوره الجديد.
ويحدثنا الكتاب عن أرسطو، وأن مثله الأعلى كان على الدوام الحكم الدستوري، لا الحكم الاستبدادي، حتى لو كان هذا الاستبداد هو الاستبداد المستنير الذي يصدر عن الملك الفيلسوف، فهو إذاً من أكبر المنتصرين لمبدأ سيادة القانون، ومن ثم فقد قبل منذ البداية أن يكون القانون في أية دولة صالحة هو السيد الأعلى، فالقانون هو «العقل مجرداً عن الهوى»، والحكم الدستوري يتماشى مع كرامة الرعايا وعزتهم، إذ إن الحاكم الدستوري يحكم رعاياه برغبتهم، وبذلك يختلف كل الاختلاف عن الطاغية، وللحكم الدستوري، كما يفهمه أرسطو عناصر رئيسية ثلاثة: أولها حكم يستهدف المصلحة العامة، وبذلك يتميز عن الحكم الطائفي الذي يستهدف مصلحة طبقة واحدة، وعن الحكم الاستبدادي الذي يستهدف مصلحة فرد واحد، وثانيها أنه حكم قانوني، أي أن الحكومة تدار فيه بمقتضى قوانين عامة، لا بمقتضى أوامر تحكمية، وثالثها أن الحكومة الدستورية حكومة رعيته راضية، فتتميز بذلك عن الحكومة الاستبدادية التي تستند إلى محض القوة.
ويعمد المؤلف إلى تحليل كتاب أرسطو «السياسة» وآراء النقاد فيه، وهو المؤلف الذي وضعه أرسطو خلال فترة طويلة قاربت الخمسة عشر عاماً، وقد حرص المؤلف على أن يبين مدى ما بين تقديرات أرسطو في ذلك الكتاب، وتقديرات أستاذه أفلاطون من توافق أو اختلاف، وفي أي المواطن برز تأثره به، وفي أيها برز أستاذه العظيم، مع ملاحظة أن صورة الحكم التي يسميها أفلاطون بالدولة الثانية في ترتيب الأفضلية (أو الدولة المثلى الثانية) هي التي سماها أرسطو بالدولة المثالية.
إلى جانب ذلك كله، يتعمق المؤلف في تحليل مدى الخلاف بين الفيلسوفية في مواطن أخرى عدة من مواطن الفكر السياسي، كاختلافهما مثلاً في ما يتعلق بالنساء، إذ رأى - أرسطو على عكس أفلاطون - أن النساء يختلفن في الطبيعة عن الرجال، وأن هذا يستتبع القول إنهن أقل مرتبة، ومن ثم لا يقفن على قدم المساواة المطلقة مع الرجال، تلك المساواة التي يراها وحدها قوام العلاقات السياسية في الدولة.
وقد جعل المؤلف نظرية «دولة المدنية» عنوان الكتاب الأول من مؤلفه، وفي هذا الجزء يجد القارئ عرضاً تحليلياً لنظام دولة المدينة الإغريقي، ويلقى أفلاطون متطوراً في أفكاره وتقديراته، تبعاً لتطوره شاباً وكهلاً وشيخاً، وبين ثنايا ذلك كله تبرز «دولة المدنية» بصورتها التي كانت عليها فعلاً، كما تبرز خلال انتقادات أفلاطون في صورتها المثالية التي كان يرجو أن تكون عليها، وفي نهاية ذلك الجزء نشاهد كيف تداعت «دولة المدنية» وأفل نجمها، وما هي الاعتبارات الداخلية والخارجية التي كان يعول عليها.
تطور الفكر السياسي.. كتاب لكل العصور
22 سبتمبر 2016 02:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 سبتمبر 02:42 2016
شارك
القاهرة: «الخليج»