عاش البحتري فيما بين سنة 206 و284 هجرية، وبذلك عاصر الدولة العباسية في أوجها أيام الرشيد والمأمون.
هو الوليد بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى بحتر ثم طي ثم قحطان، وهو عربي صميم، وأمه كذلك، كما ورد في شعره، وقد ولد في مدينة منبج بين حلب والفرات، وتعلق ببلدته كثيراً لحسن هوائها، وطيب مائها، وفتنة طبيعتها، وما كان له من هوى يجذبه إليها، ولعل هذا العشق كان بمثابة عروس من عرائس الشعر التي ادعاها البحتري ليصبغ خياله بلون الحقيقة.
اتصل البحتري بأبي تمام في حمص وأسمعه شعره، فأعجب به أبو تمام وأوصى به أهل معرة النعمان الذين مدحهم فأكرموه بهذه الوصية وأعطوه أربعة آلاف درهم، ورافق البحتري أبا تمام، فطمح إلى الاتصال بالعظماء في بغداد ومدح الكبراء ثم اتصل بالوزير الفتح بن خاقان ووصله بالمتوكل حتى أصبح نديمه.
ظل البحتري وفياً للمتوكل ووزيره ابن خاقان اللذين قتلا بيد الأتراك بتدبير من المنتصر بن المتوكل ولي العهد، كما عاصر البحتري بعد المتوكل خمسة خلفاء، وكان يتردد على بلدته منبج التي عاد إليها بعد مقتل المتوكل واتصل كذلك بغيرهم من كبار القوم، مات البحتري في منبج سنة 284 هجرية عن ثمانية وسبعين عاماً.
كان الوصف من الفنون الشعرية التي أبدع فيها البحتري وبالتحديد شعر الطبيعة، وقد كان للبيئة أثرها في شاعريته، فوصف منبج حيث الحسن، رقة الهواء، وعذوبة الماء، وإلى جانبها عواصم الشام الأخرى، تجلو مناظرها العين، وتشحذ الذهن، وتفسح الخيال، وقد نشأ البحتري بين فضيلتي البداوة والحضارة، أما البداوة ففي صدق التعبير، وحسن الأداء، ووضوح الدلالة، وأما الحضارة ففي رقة اللفظ، وسهولة الأسلوب.
اشتهر البحتري بالوصف شهرته بالغزل والمدح، ولا شك أن قصيدته في وصف إيوان كسرى اعتبرت من أجمل القصائد كما هو حال وصف الديار وبكاء أهلها.
من إحدى لوحاته الراقصة البديعة وصف «الربيع» التي يقول فيها:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبّه النيروز في غسق الدجى
أوائل ورد كن بالأمس نوّما
أسلوب البحتري في مجمله واضح لا ظلمة فيه ولا تعقيد، فقد اختار الألفاظ المستعملة وتجنب الثقيلة، واتخذ الخيال وسيلة يكمل بها معانيه، فتتضح في ذهن السامع كاملة، كما أن طريقة البحتري قوامها المبالغة في تحريك الأوصاف وبعث الحياة القوية فيها وكمال التشخيص، وكان حس الطبيعة يستولي على حس الشاعر، فالربيع عروس ضاحكة يتفتح لمقدمها الورد وتلبس الأشجار أنضر اللباس وترق النسمات ويختفي ما في الدنيا من عبوس فهو عرس الطبيعة.
لقد ارتكزت عظمة الوصف عند البحتري بالإضافة إلى رهافة الحس وامتلاك ناصية اللغة على مقدرة فذة على التصوير، ورسومه تنبض فيها الألوان وتتنفس الخطوط والانحناءات، وتضج بكل حرارة الحياة.
ولا بد من التأكيد أن البحتري نشأ في عصر ازدهرت فيه العلوم وتعددت المعارف وتنافس الناس في تحصيلها وحضور مجالسها، وكثر فيها الجدا، لكن البحتري كان بمعزل عن هذه الحركة العنيفة، فهو من أهل الشام وهذه الحركة كانت على أشدها في العراق، وقد كانت الحركة هادئة في منبج وفيما حولها من عرب يقيمون في خيامهم، وفيهم كل صفات البداوة، فأثر ذلك كله في شعره وشاعريته واتخذ من أقوال الشعراء الذين حفظ كلامهم مدد معانيه ، فلم يخرج فيها عما عرف للشعراء السابقين، فقربت معانيه واستقامت طريقته.