نجاة الفارس

«التاريخ يعيد نفسه» مقولة نرددها كثيراً، خاصة إذا ما وقفنا أمام مشاهد العنف والدمار التي ألمت بالأمة. والشعراء كانوا وما زالوا نبضاً للقلب الجريح، ربما بسبب حساسيتهم المفرطة، ومشاعرهم الجياشة، وعواطفهم الرقيقة.
يحضرني صوت الشاعر حين قال:
مزجنا دماء بالدموع السّواجم/‏‏ فلم يبق منّا عرضة للمراجم/‏‏ وشر سلاح المرء دمع يفيضه/‏‏ إذا الحرب شبّت نارها بالصّوارم.
أبيات قوية مؤثرة، بدأ الشاعر قصيدته بها، تضعنا في الجو العام للمأساة التي عاشها المسلمون في بلاد الشام.
وتستثير الوجدان وهذه القصيدة الجميلة اختلف مؤرخو الأدب على نسبتها ما بين الشاعرين الأبيوردي و الهروي، فالمعطيات التاريخية، لا تعيننا على تعيين صاحب النص على نحو حاسم، ولكن أيا كان قائلها إلا أنها تستحق القراءة والوقوف عند معانيها.
كتبت هذه القصيدة سنة 492 هجرية 1099 ميلادية، عندما اقتحم الصليبيون أسوار بيت المقدس بعد حصار دام أكثر من أربعين يوما، وقد اقترف الغزاة مذبحة رهيبة في المدينة المقدسة، فقال الشاعر هذه القصيدة:

فإيهٍ بني الإسلام إن وراءكم

                          وقائع يلحقن الذرا بالمناسم

أتهويمة في ظل أمن وغبطة

                         وعيش كنوار الخميلة الناعم

وكيف تنام العين ملء جفونها

                        على هفوات أيقظت كل نائم

وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم

                     ظهور المذاكي أو بطون القشاعم

وحين نتمعن هذه الصور نقول مرة أخرى: بأن التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه اليوم بالأمس، ونجد الشاعر هنا يحس بمأساة المسلمين ويشعر بها ويعبر عنها تعبيرا مؤثرا مستخدما عدة أنواع من أساليب الاستثارة، تارة موجهة لمشاعر الناس الدينية وتارة يستثير نخوتهم، وتارة أخرى يستثير غيرتهم على أعراضهم، فيذكرهم بمكاسب الحرب ومغانمها، وهو في ذلك كله يعبر عن اندماجه التام بأمته وينقل مشاعره نقلا صادقا أمينا.
القصيدة وليدة تفاعل بين وجدان الشاعر والواقع التاريخي، الذي أشرنا إليه سابقا، هي تعبر عن موقفه من الأحداث ومحاولته تغيير الحالة الراهنة من خلال الشعر الصادق، هو صدق واقعي وفني.
لاحظنا أن الشاعر استهل القصيدة استهلالا مستوحى من الأحداث، ومعبرا عنها تعبيرا دقيقا، وقد أوجز مضمون القصيدة ومهد لطرح فكرته الرئيسية وحقق التعاطف الأولي عند القارئ، فمطلع القصيدة بصياغته ومعانيه وإيحاءاته يسترعي انتباه القارئ ويدعوه إلى متابعة النص، وهذا ما تعارف عليه النقاد القدماء ب (براعة الاستهلال).
وقد تخلص الشاعر من المقدمة الغزلية، فهو يصف حدثا مهما، ويستمد صوره من الواقع الذي يعانيه، ومن الواضح أن القصيدة تتسم بالوحدة الموضوعية، وأنها تدور حول فكرة واحدة.
القصيدة من الأدب الحزين الباكي، وهدفها الرئيسي هو إثارة مشاعر المسلمين وحفزهم على العمل الإيجابي كما يراه الشاعر، وهي تثير أطيافا من المشاعر المتداخلة، لذا تنوعت الكلمات والعبارات التي استخدمت للتعبير عن هذه المشاعر، فإذا ما تحدث الشاعر عن عجز المسلمين في بلاد الشام عن مواجهة الواقع الدامي، ومعاناتهم وهم يتلقون الصدمة الأولى استخدم ألفاظا تشف عن الحزن والأسى، مثل الدموع السواجم، الهوان، وإذا كان موضوع الحديث وصف المتخاذلين الذين يعيشون في أمن وطمأنينة، فإن الشاعر يختار الألفاظ التي تصور ذلك تصويرا دقيقا مثل غبطة، أمن، ناعم، نوار، وعندما يستجمع الشاعر قواه، ويبث الحمية في نفوس المسلمين، فإنه يصطنع الأسلوب الجزل.
ونجد أن القصيدة تنحو منحى التعبير بالكلمات ذات الدلالات المباشرة، غير أننا نجد بعض الصور البيانية الجزئية التي أكسبت النص مسحة جمالية لافتة.

[email protected]