تحقيق: جيهان شعيب

بين الرفض والعزوف وعدم الرغبة، يأتي موقف كثير من الشباب المواطنين من بعض المهن، والوظائف، رغم كونها الحل للبطالة التي قد يعانيها البعض لاسيما الخريجين الجدد، والذين منهم من يرتضون بوضعهم العملي المتجمد على أن يزاولوا أياً من هذه المهن، التي تتصدرها الأعمال الفنية والحرفية، والتدريس، ومندوبو الشركات، والسائقون، وأعمال الزراعة، وغيرها من العمل في شركات القطاع الخاص، وخلافه، مقابل مبررات وذرائع مختلفة يسوقونها، منها ضعف المقابل المادي لهذه المهن، وتدني المستوى الاجتماعي لها، وفقدان القيمة المجتمعية لكل من قد يزاولها، فضلاً عن شعورهم بالأحقية في شغل وظائف قيادية يشغلها مقيمون، وغير ذلك.
رغم أن المقياس في نيل الاحترام المجتمعي، والتقدير، لا يتعلق بطبيعة المهنة، التي قد تكون حجر الزاوية في مفردات الحياة اليومية، بقدر ما تتعزز قيمة الفرد بأمانته في أداء عمله، وإخلاصه في تقديمه بالشكل اللائق المطلوب، وسعيه لتطوير ذاته، إلا أن نظرة البعض وقناعاته لا تزال سطحية وقاصرة تجاه كثير من القرارات الحياتية المهمة، لشكليات ومظاهر فارغة، بما يستوجب إعادة النظر والتقييم بشكل موضوعي ومنطقي لذلك.
عن ماهية المهن غير المرغوب فيها، والأسباب وراء ذلك، والحلول الواجبة، تأتي الآراء الآتية:

التحفيز المستمر

بداية رأى الشاب عتبة إبراهيم خميس أن هناك بعض الأعمال التي لا يرغب فيها الكثير من المواطنين، بسبب تدني مستوى مردودها المالي، وزيادة ساعات العمل فيها، فضلاً عن قلة خبرة المواطنين في بعضها، ومنها على سبيل المثال الأسواق المالية، التي يؤكد أن نسبة المواطنين العاملين فيها لا تتجاوز 4% فقط، رغم تحمل هيئة الأوراق المالية والسلع تكاليف الدورات التدريبية المتخصصة للمواطنين في هذا المجال، وقائلاً: هناك أيضاً مهنة الطب، التي يعزف عنها الكثير من المواطنين، بسبب المدة الطويلة التي تستغرقها دراسة موادها، رغم الدخل المادي المرتفع لهذه المهنة لاحقاً.
وأرى أن الحل في ذلك يكمن في تخصيص مبلغ شهري لطلاب الطب يفوق 15 ألف درهم، لأن التحفيز المستمر من أهم العوامل المشجعة للشباب المواطنين للالتحاق بهذا التخصص الدراسي، إلى جانب دور الأعلام في هذا الصدد.

مؤسسة مجتمعية

ويجزم الشاب مصعب الحمادي أن المهن قليلة الأجر بشتى أنواعها لا يوافق عليها المواطن، إلى جانب مهن أخرى يتعرض فيها المواطن للضغط المستمر من قبل رؤسائه، مشيرا إلى أنه من المواطنين من كسر كل القواعد وعمل في محطات البترول، وبالنسبة للمواطنات فنراهن يعملن في المخابز الحكومية وغيرها.
‏وأضاف: ربما لتشجيع الشباب المواطنين على امتهان جميع المهن يستوجب زيادة الوعي المجتمعي، وحثهم على العمل في مختلف المهن البسيطة، بزيادة الحوافز، وغيرها من الامتيازات التي تجذب الشباب، أو حتى إنشاء مؤسسة مجتمعية، تهتم بهذه المهن وتحرص على توطينها.

المكانة اللائقة

ويعلق الشاب صهيب علي داوود على عزوف الشباب المواطنين عن بعض المهن لأسباب تتعلق بدخلها المادي، كمهنة التعليم مثلاً، والمزارع، قائلاً: كل عمل نتاجه المادي متدن، يصبح غير مرغوباً فيه، والعلاج هنا يتطلب النظر إلى حاجات الدولة من هذه المهن، وإعادة بناء السياسات تجاهها، كإعطاء المعلم مكانة لا تقل عن الطبيب، والمهندس، والحقيقة فهذه الخطوات نلمس تحققها رويداً برؤية من الحكومة الرشيدة.
‏ومن المهن الأخرى غير المرغوب فيها أيضاً مهنة سائق الأجرة، والبائعين في المحال التجارية والمطاعم، بسبب الشعور بمساسها للكرامة، وزعزعة المكانة اللائقة في المجتمع.

أسلوب التوعية

وعدد الشاب عبيد فيصل الذيب المهن غير المرغوب فيها من معظم المواطنين، وأهمها الهندسة المدنية والمعمارية، والطب، وغير ذلك، مرجعاً السبب في ذلك إلى قلة عدد المواطنين الذين لديهم شهادات جامعية عليا، وقال: رغم عزوف كثير من الشباب المواطنين عن المهن سالفة الذكر، إلا أنني اخترت مهنة الهندسة لشعوري باستيلاء العمالة الوافدة على هذه المهنة، علاوة على أنني منذ صغري كنت أحلم بأن أكون مهندس طيران، وها أنا أرى الكثير من شباب الإمارات أصبحوا يلتحقون بمثل هذه التخصصات.
وهناك الطب الذي أظن أن سبب عدم الرغبة في امتهانه هو طول سنوات الدراسة، لذا يجب توعية شباب هذا الجيل من خلال المدارس، والندوات والمحاضرات، بأهمية هذه التخصصات الدراسية المهمة.

اختلاف البيئة

ومن جانب الفعاليات المجتمعية، وحول المهن غير المرغوبة، والمقبولة، والأسباب والحلول، قالت أمل جاسم حبش نائب مدير إدارة الشؤون التجارية دائرة التنمية الاقتصادية: في اعتقادي ليست العبرة بالمهن نفسها، فقد اختلفت البيئة المعرفية والثقافية لدولة الإمارات ودول الخليج بشكل عام، عن أعوام سبقت وتلت ظهور النفط وما تبعه من طفرة حضارية، شكلها التطور التكنولوجي المتسارع الذي يعد اليوم نقطة انطلاق لأجيال الشباب والمواطنين في هذا العصر الجديد، الذي ظهرت معه الكثير من المهن الجديدة، والتخصصات التي لا حصر لها، والتي خاض غمارها الكثير من الدارسين في جامعات الدولة ودول العالم، حيث توسعت رقعة تقبل العقول للكثير من الظواهر الاجتماعية و الإعلامية المختلفة، بما لم تعد معه المهن الاعتيادية محط أنظار الشباب من المواطنين، في ضوء كذلك حثّ قيادة الدولة المواطنين كافة على الإبداع، والابتكار كرافد أساسي للنمو في كل المجالات، الذي جعل الدولة اليوم في طليعة الدول المتقدمة، وقد أكدت ذلك التقارير العالمية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي خاصة.
وتجدر الإشارة إلى قطاعات الوظائف وليس المهن، حيث تتركز رغبة الأغلبية العظمى من المواطنين في العمل في الدوائر الحكومية نظراً لساعات العمل التي تعد معقولة مقارنة بالعمل في الشركات والجهات الخاصة، والتي تقدم خيارات ضئيلة للراحة، والاستمتاع بالحياة الأسرية والاجتماعية، خصوصاً لحديثي التخرج، ومن لا يملكون الخبرة الكافية، في حين ظهرت مهن جديدة للبعض الآخر ممن اختاروا الطرق الأسهل منها التجارة الإلكترونية، وإدارة مواقع التواصل الاجتماعي وهي مهن عصرية باتت تشكل وسيلة سهلة للربح، بما يبرر معها الوسيلة على حساب الغاية، وبين هذا وذاك وبما تشهده الدولة من طموحات كبيرة غير مسبوقة في تحقيق أعلى مستوى لرضى المواطنين والقانطين على أرض الإمارات، للوصول إلى معيار السعادة، وتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي الأقصى، فهناك أهمية كبيرة لشغل المواطنين جميع المهن والوظائف المتاحة، بعد تأهيلهم بالشكل المتوافق مع مفردات حياته، ولكي لا تستنفد الطاقات، فيحدث نفور بدلاً من الإنجاز، فضلاً عن أن الربط الوثيق بين الخطط الاستراتيجية للمؤسسات بالتوازي مع الاحتياجات البشرية، يسهم في تسهيل حل المشكلات الفردية لكل مواطن، فتصبح الوظائف والمهن بقطاعاتها كافة بيئة جاذبة مستقرة.

استراتيجية واضحة

ولفتت عائشة البلوشي مديرة أحد البنوك في دبي إلى أن بعض المواطنين يعزفون تحديداً عن العمل في شركات القطاع الخاص، لعدم جاذبية المميزات التي تقدمها للعاملين فيها، ولكونها بيئة طاردة، لاسيما مع الفرق الكبير بين رواتب القطاع الخاص عن الحكومي، والتي تعتبر معها غير كافية لتحقيق طموح المواطنين ومتطلباتهم، إضافة إلى طول فتره الدوام، وطبيعة المعاملة كذلك، علاوة على ترحيب شركات القطاع الخاص بالأجانب أكثر من المواطنين بحجه الخبرة، والأمان الوظيفي، الذي قد لا يشعر به المواطن في هذا القطاع مقارنة بالوظيفة الحكومية، ولهذا السبب يعزف عن العمل في القطاع الخاص.

وقالت: يجب وضع استراتيجية لتوطين القطاع الخاص، وإيجاد آليات لحل هذه المشكلة، من خلال تأسيس دائرة خاصة لتوطين الوظائف في هذا القطاع، على أن تقوم بدور كبير في حفظ حقوق المواطن، ويكون لها دور في توفير الوظائف حسب الشهادات، والخبرات المهنية، شريطة أن يعين المواطن في القطاع الخاص براتب ومزايا مساوية للقطاع الحكومي أو شبه الحكومي، وأن تؤمن له حماية حال وقف نشاط الشركة في سوق العمل لسبب أو لآخر، تكون بمنزلة مظلة حماية له لتشجيعه على الالتحاق بالعمل في هذا القطاع.

المناهج الدراسية

وقسم ذياب محمد الياسي بني ياس مدير مكتب رئيس دائرة الطيران المدني في الشارقة، عضو مجلس ضاحية مويلح الوظائف التي يعزف عنها المواطنون إلى قسمين، الأول الوظائف والمهن كالتدريس، والإشراف، التي ينفر منها البعض لصعوبتها، وحاجتها إلى الصبر الطويل لأدائها بالشكل المطلوب، مقابل أيضاً مردودها المادي الضعيف، رغم كونها من الوظائف المشرفة و المقدرة مجتمعياً.
والقسم الثاني يتركز في بعض الوظائف والمهن التي ينظر إليها المواطن نظرة دونية، مثل العمل بالنظافة، والمهن الفنية المساعدة، أو مهنة النادل، أو محصل في المحال، وغيرها من المهن الأخرى التي تعد من الأهمية بمكان في الحياة اليومية عامة، فيما مردودها المادي قليل جداً، ولا يتناسب مع حياة الترف التي اعتادها المواطنون.
وقال: يجب توجيه المجتمع من خلال المناهج الدراسية لأهمية هذه المهن، و العمل على رفع قدرها، وزيادة رواتبها، لأن المال عَصب الحياة، ويبنى عليه مستقبل الإنسان، لذا يجب الاهتمام بتشجيع المواطنين على امتهانها، من خلال توفير حوافز ومميزات توازي الجهد المبذول فيها.

مكانة اجتماعية

وذكر حامد محمد تنفيذي برامج شؤون مجتمعية أن وظيفة الاستقبال في الدوائر الحكومية، ومندوبي الشركات، ومدخلي البيانات، وقيادة سيارات الأجرة، والحرف على اختلافها، من المهن غير المرغوبة من قبل المواطنين، وقال: لا نرغب في تلك المهن لأنها لا توفر المكانة الاجتماعية اللائقة للمواطن، ولا تساعده على إظهار مواهبه العملية، فضلاً عن شعوره بالدونية من خلالها، وكذا القيمة والأهمية، فيما من الضروري توفير وظائف قيادية مهمة للشباب، تشعرهم بأهميتهم وتقدير المجتمع لهم.

ثقافة اجتماعية

قالت هدى المناعي «تربوية»: من المشكلات التي تواجه الدولة في قطاع العمل عزوف الشباب عن بعض المهن الخاصة مثل المهن الفنية، واليدوية الحرفية، ويفضلون عليها المهن المكتبية، فيما ترجع الأسباب إلى شعور الشباب بالخجل من أصدقائهم، والمحيطين بهم حال امتهانهم هذه الأعمال، إضافة إلى نمط الحياة التي يعيشها الشباب الإماراتي، الذي يتوفر فيها لهم الكثير من حاجاتهم، بما أدى إلى ثقافة اجتماعية صنفت هذه المهن بالدونية، التي لا تصلح إلا للعمال غير العرب فقط.
والحل يتمثل في زرع ثقافة جديدة من خلال مناهجنا وإعلامنا المسموع، والمقروء، والمرئي، تكرس احترام جميع المهن، ومن يعملون عليها، وتعزيز أهميتها في المجتمع، ورفع رواتبها، وفتح مجال تعلمها، والتدريب عليها، ليحصل الشباب على شهادات معتمدة، ومزايا تشعرهم بقيمتها، ولتصبح مجتمعياً من الوظائف ذات القيمة العلمية، كما يجب أن يكون لرجال الدين والمساجد دور في توضيح قيمة العمل، والاعتماد على النفس، والكسب الحلال، مع إظهار نماذج من بلدان أخرى متحضرة ومتقدمة أبدع شبابها في هذه المهن، وأصبح البعض منهم يمتلك تجارة كبيرة خاصة المهن اليدوية والحرفية، وإعطاء الفرص للشباب لإظهار إبداعهم، وقدراتهم العالية في بعض المجالات مثل العمل في تصليح السيارات، وتزويدها، وتكوين فرق عمل، ومعارض داخل الدولة وخارجها، وتكريم المشاريع الناجحة منها.