كتب: عمار عوض

من أعماق التاريخ السحيقة وقبل 6000 عام من قبل الميلاد استوطنها البشر، وقيل إنها «الموصل» أو «نينوى» التي تعني السمك في اللغة الآرامية، أرض الإله عشتار آلهة الخصوبة في الحضارات القديمة التي شيدت على جانبيها منها «الأشورية» و«الآرامية» و«الكلدانية» تعاقب عليها اليونانيين القدامى «الهيلينيون»، وفتحها العرب المسلمون، وتعاقب عليها المغول والسلاجقة، والعثمانيون، والبريطانيون، ولكنها ظلت شامخة كما مئذنة «الحدباء» التي أخذت منها اسمها، تكسرت على أراضيها سهام الغزاة على مدار التاريخ، واليوم تعيش «أم الربيعين» مخاض خروج «الدواعش» من أرضها بعد أن ساموا أهلها العذاب، وقدم أكثر من 60 ألف جندي من أكراد وعراقيين ومن فوقهم طائرات التحالف الدولي الذي يضم أكثر من 50 دولة، والجميع عازم على إعادة ربيع الموصل إلى عهده الأول، في الوقت الذي يخشى أهلها من الانتقام الطائفي، فذاكرة المدينة لن تنسى حصار نادر شاه في عهد الدولة «الصفوية» الذي خلف مئات الآلاف من القتلى وأعمل فيها انتقاماً لا مثيل له، لكنها تعافت وضمدت جراحها.
تعتبر الموصل مركز محافظة نينوى، وثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان بعد بغداد، حيث يبلغ تعداد سكانها حوالي 4 ملايين نسمة، وتبعد عن العاصمة حوالي 465 كلم، واشتهرت بالزراعة والتجارة مع الدول القريبة مثل سوريا وتركيا ويتحدث أهلها اللهجة الموصلية (أو المصلاوية) التي تتشابه مع اللهجات السورية الشمالية، ويسكنها عرب من السنة وينحدرون من «شمر والجبور والدليم، إلخ»، كما أن بها مسيحيين ينتمون إلى عدة طوائف، وأكراد، وتركمان والشبك.
استوطنها البشر قبل الميلاد عند ملتقى نهري الخوصر ودجلة، وكان أول ذكر لها في التاريخ حوالي 1800 ق.م. حيث عرفت عبادة الإلهة عشتار في تلك المنطقة، ويعزو المؤرخين بنائها إلى القائد الآشوري الأسطوري نينوس.

تقلب الحضارات والغزوات

يعتبر «سنحاريب» الملك الأشوري الذي أوصل المدينة إلى أوج مجدها حوالي 700 ق.م. فقام ببناء قصر ضخم مكون من 80 غرفة من الرخام والطوب وبلغت مساحة نينوى في أوج عظمتها حوالي 7 كم مربعة وقطن بها أكثر من 100 ألف نسمة ما جعلها أكبر مدينة بالعالم آنذاك.
على مر التاريخ تعاقب على المدينة الكثير من الأحداث إلى جانب قيام بعد الحضارات، ، فقد شهدت سبي اليهود والبابليين وتوطينهم في المدينة، وترحيل «الآراميون»، ، ثم في فترة من التاريخ سيطر عليها «الإسكندر الأكبر» المقدوني، الذي شيد الامبراطورية الهلينية، ثم خلفه «السلوقيون» بعد وفاته، وعندما تعاظمت قوة روما في الغرب في الألفية الأولى، سيطروا على المدينة بدورهم لقرون إلى أن تمكن «الأشكانيون» من هزيمتهم ومد نفوذهم على الموصل. سيطر الساسانيون على المنطقة بعد انهيار الدولة «الأشكانية» واتسموا بعدائهم للغرب فقاموا بجعل الزرادشتية الدين الرسمي للدولة وحاولوا فرضها بالقوة، إلا أن المسيحية أصبحت الأكثر انتشاراً في تلك الأنحاء.

أصبحت نينوى مركزاً مهماً للفرع «النسطوري» من الكنيسة السريانية اليونانية القديمة كما انتشر الرهبان في جبل الألفاف الواقع 25 كم شرقي الموصل، واشتهرت المنطقة المحيطة بها بكثرة الأديرة التي شيدت منذ القرن الخامس ومنها دير «مار بهنام، ومار إيليا، ومار متي، ودير مار اوراها».

نعيم الحمدانيين وخراب المغول

قاد انتصار المسلمين على «الساسانيين» في معركة القادسية، إلى دخول المنطقة في رحاب الدين الإسلامي، عندما تمكن ربعي بن الأفكل التغلبي من فتحها، وكانت تعرف في المصادر الإسلامية بالحصنين آنذاك، وقام هرثمة بن عرفجة البارقي بتوطين قبائل عربية من أزد وطي وكندة وعبد قيس بالضفة الغربية، وبنى داراً للإمارة والمسجد الجامع وهو أول جامع بناه المسلمون في الموصل، والذي بقي حتى سنة 1148.
إلا أن المدينة لم تزدهر حتى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي عندما تولاها الأمويون فجعلوا منها مركزاً لمنطقة الجزيرة، وأصبحت المدينة أهم مراكز انطلاق الفتوحات الإسلامية بعد استقرار القبائل العربية فيها خصوصاً إبان الدولة الأموية، كما قام الولاة الأمويون بتوسيع المدينة وحفر قناة لجلب المياه إليها.
غير أن علاقة الموصل مع العباسيين تميزت بالتوتر غالباً، وظلت على عداء غير معلن مع حكامهم، ولكنها ازدهرت بعد سيطرة «الحمدانين» فازداد بنيانها وحسن منظرها للرحالة، فوصفها المقدسي بأنها مبنية على شكل نصف دائرة وبها قلعة داخل أسوارها عرفت ب المربعة (باشطابيا).

بعدها ظلت المدينة في حالة صعود وهبوط بحسب صيرورة التاريخ، حيث سيطر عليها السلاجقة، ولكن حكمهم اتسم بإهمال المدينة التي عادت للازدهار في عهد سيطرة عماد الدين زنكي، الذي يعود له الفضل في إعمارها، ثم حاصرها صلاح الدين الأيوبي مرتين في 1182 و1185 ما اضطر عز الدين إلى الاعتراف بسيادة الأيوبيين مقابل استمراره حاكما على الموصل وهو الذي بنى المباني من الرخام الذي جلب خصيصا من جبل مقلوب شمال شرقي المدينة، كما عرف عنها شكلها المقبب المميز.

عاشت المدينة عصورها من الظلام الدامس والخراب عندما تناوب عليها «المغول» و«الجلائريون» و«الصفويين» غير أن الحكم الصفوي لم يطل حيث فتح العثمانيون بقيادة سليمان القانوني المدينة سنة 1535 وكانت في تلك الفترة نقطة دفاع مهمة للجبهة الشرقية لدولة آل عثمان ضد الدولة الصفوية، واستمرت الهيمنة العثمانية على الموصل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعد اكتشاف النفط في ولاية الموصل تمكنت بريطانيا من إقناع فرنسا بالتنازل عن المدينة في معاهدة سيفر سنة 1920، غير أن تركيا استمرت بالمطالبة بأحقيتها حتى سنة 1925 وانضمت الموصل رسمياً إلى المملكة العراقية عند إعلانها في 3 أكتوبر /‏تشرين الأول 1932.

«موزاييك» إثني وديني

شكل سكان مدينة الموصل «موزاييك»غني بتعدده الإثني، والديني، حيث يشكل العرب السنة معظم السكان، وتنتشر بها أقلية كردية سنية، ويتواجد جميعهم في الجانب الشرقي في المدينة أو ما يسمى بالساحل الأيسر، أما بقية الطوائف من تركمان مسلمون، أو ديانات أخرى تشمل المسيحيين، والصابئة المندائيون واليزيديون، والشبك فيشكلون، بمجموعهم نسبة قليلة لا تتجاوز ٥٪ من مجموع السكان.

كانت مدينة نينوى التاريخية مركزاً مهماً لتجمع «السريان» الذين انتموا في الغالب إلى الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وكذلك بعض الأرمن، حيث زاد تعدادهم بعد الحرب العالمية الأولى، كما أدت موجات من العنف بعد حرب العراق إلى نزوح الأغلبية ولم يتبق سوى ألفي سرياني في الموصل.

يعود الوجود اليهودي في مدينة نينوى التاريخية، إلى فترة سبيهم من قبل الآشوريين قبل الميلاد، واستمر وجودهم حتى القرن العشرين فوصل تعدادهم إلى 1100 نسمة، غير أنهم نزحوا بشكل جماعي إلى «إسرائيل» في الخمسينات.
هذا التنوع خلف آثارا مهمة حيث تعتبر كنيسة «مار توما الرسول» للسريان الأرثوذكس أقدم كنيسة في المدينة، إذ يرجع أقدم ذكر لها إلى القرن السادس الميلادي، ومن الكنائس السريانية الأرثوذكسية القديمة كذلك كنيسة مار أحودامة وأقدم كنيسة للكلدان هي كنيسة «مار فثيون»، والتي يعود ذكرها إلى القرن العاشر. ومن الكنائس التاريخية كذلك كنيسة القديسة «مسكنتة»، والتي تعود إلى العهد الساساني وكذلك كنيستان للكلدان والسريان الأرثوذكس تعرفان بالطاهرة التحتانية بسبب انخفاضهما عن مستوى الشارع، ولعل أهم الكنائس الحديثة كنيسة الساعة والتي أسسها الآباء «الدومنيكان» عام 1873 م، وتشتهر هذه الكنيسة ببرج ساعتها الذي كان الأول من نوعه في المنطقة.

يعود تاريخ الجوامع إلى بداية العهد الإسلامي وتحديداً سنة 637م ،حيث تم بناء الجامع الأموي من قبل عتبة بن فرقد السلمي، والذي يسمى اليوم ب«العتيق» نظراً لقدمه، وثاني جامع بني في الموصل هو الجامع الكبير الذي بناه العادل نور الدين وانتهى من بنائه سنة 1172م، ولم يبق من الجامع الأصلي سوى مئذنة «الحدباء»، والتي تعتبر أشهر معالم المدينة والتي أخذت اسمها منه.

مهد «زرياب» وشغف القراءة

اشتهرت الموصل منذ العصر الإسلامي بكونها أحد أهم مراكز الموسيقى في الدولة الأموية والعباسية، ففيها نشأ «إسحاق الموصلي» و«زرياب» ويعتقد أن فيها نظمت الموشحات العربية أول مرة متأثرة بموسيقى الكنسية السريانية.

وعرفت المدينة بالعديد من المقرئين الذين برعوا في المقامات في أوائل القرن العشرين مثل الملا عثمان الموصلي وأحمد عبد القادر الموصلي وحنا بطرس.

وتختلف الموسيقى الشعبية بالموصل عن تلك المنتشرة في باقي أنحاء العراق، وذلك بالرغم من تأثير المقام العراقي عليها، وتتقارب أكثر مع الموسيقى الشعبية في مناطق جنوب شرقي تركيا كماردين والموشحات الحلبية.

كما عرف عن أهل الموصل كما هي حال أهل العراق حبهم وشغفهم للقراءة والتعلم، فكانت المكتبات عامرة بالكتب من كل الأصناف، ويقف شارع النجفي وهو من الشوارع القديمة شاهدا على ذلك، وهو المشهور ببيع الكتب والقرطاسية وفيه نشأت أولى المكتبات ودور النشر في المدينة.

سد الموصل وقصة النهضة

ظلت على طول مجرى التاريخ مركزاً تجارياً يربط سوريا الحالية، بتركيا وبلاد فارس، غير أن سيطرة العثمانيين عليها غيرت مسار التجارة فأصبحت تصدر الأقمشة إلى أوروبا، والتي عرفت بالموسلين نسبة إلى المدينة، كما ساهم ظهور حلب في سوريا كمركز لتصدير الحرير في نهضتها
عرفت الموصل كأحد مراكز تصدير النفط في الشمال بعد الاحتلال الإنجليزي للعراق، كما امتهن أهلها تربية الماشية والمهن الحرفية إلى قطاع الخدمات، كما ساعد افتتاح قناة السويس عام 1870 ووصول سفن بخارية بريطانية إلى تطور تصدير الصوف والقطن عبر البصرة إلى أوروبا والهند...
وفي العصر الحديث ساهم بناء سد الموصل (سد صدام سابقاً) في توسع كبير في الزراعة، والتي تنوعت بعد أن زرع فيها محاصيل صناعية مثل الذرة والقطن، تحت منظومات الري التقليدية والحديثة، فأصبحت الموصل من أهم مصدري الحبوب في المنطقة، وقام تجارها بتصدير معظم هذه المحاصيل إلى المدن الكبرى القريبة كبغداد وحلب وديار بكر.يوجد بالمدينة مصنع للسكر الذي ينتج من البنجر السكري، الذي يزرع في سهل نينوى، كما أن بها مصنعا للألبان، ومصنعان للأسمنت في ناحية حمام العليل جنوب الموصل، وآخر في سنجار وهو أضخم من الأول، ومصنعان صغيران للأدوية في قضاء تلكيف شمال الموصل.

وعانت المدينة الركود الاقتصادي منذ التسعينات وتزامن هذا مع هجرة الأيدي العاملة الحرفية والكوادر الأكاديمية إلى خارج القطر، ومن أشهر الأسواق في مدينة الموصل : سوق النبي يونس وسوق السرجخانة وباب السراي وباب الطوب.

في ظلام داعش

تعتبر المدينة موطن «القوميين العروبيين» الذين قاموا بعصيان قاده عبد الوهاب الشواف قائد الفيلق الخامس في العهد الأول من الاستقلال، وبعد هزيمة القوميين جرت إعدامات لقياداتهم ونزح العديد إلى بغداد، لكنهم سرعان ما استطاعوا العودة إلى الحكم بعد ثورة 17 تموز بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، لتزدهر المدينة على أيدي صدام حسين، وتم تنفيذ بعض الخطط التنموية الصناعية، والزراعية، إضافة إلى بعض المشاريع التجارية، ومن أهمها بناء سد الموصل الذي سمي حينها بسد صدام.

ظلت المدينة تبعاً لذلك، مركزاً من مراكز المقاومة ضد الغزو الأمريكي، وتكسرت على أسوارها كل خطط الاحتلال والحكومات التي تبعته، كما

سقطت بيد (داعش) وقوات محلية متحالفة معها في 2014 لتشهد المدينة موجة نزوح نتيجة المعارك التي حدثت، وبعد تمكن التنظيم من السيطرة علىها المدينة وقام بإزالة بعض الأضرحة والمراقد في المدينة، وباقي المناطق التي يسيطر عليها، مثل جامع النبي يونس ومتحف الموصل، وتعد هذه المرحلة أكثر فترات المدينة عسفا وظلاماً، نتيجة لاستهداف داعش لتاريخ المدينة وآثار الحضارات التي وجدت على أرضها، ما قاد إلى غضب عالمي، على همجية التنظيم، في أغسطس 2015 حمّلت لجنة تحقيق برلمانية عراقية نوري المالكي مسؤولية سقوط المدينة.

معارك وثورات

في سنة 612 ق.م دارت معركة طاحنة بين الميديون والكلدانيون، واستولى الأوائل على المدينة ودمروها كما دمّروا الحصن العبوري سنة 241 ،وفي سنة 579 دارت معارك شرسة بين الساسانيين والرومان تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة إلى أن دانت للرومان.
في سنة 637، دخل العرب المسلمون الموصل بقيادة ربعي بن الأفكل العنزي.
سنة 751 ثار أهالي الموصل على الوالي العباسي محمد بن صول الفارسي ففُتك بأهلها وخُربت بيوتها.
في سنة 796 استولى تيمور لنك عليها وأكمل تدميرها.
16 يوليو 1262 دخل المغول المدينة فاستباحوها وأعملوا فيها السيف وقتلوا معظم أهلها وهدموا أكثر من نصفها.
أقسى المعارك تلك التي خاضها أهل المدينة ضد الصفويين عندما حاصرها نادر شاه ولم يتمكن من احتلالها رغم سقوط أكثر من 40.000 قنبلة عليها جعلت ليلها نهاراً، ويُقال أن الموصليين أقسموا على قتل جميع نسائهم فيما إذا غلبهم الصفويين.
معركة الموصل (1107) وفيها غزا السلطان السلجوقي قلج أرسلان الأول الموصل.
في سنة 1937 شهدت انتفاضة الجيش وشاركت الموصل في ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941.
سقطت المدينة بأيدي القوات الأمريكية بعد قصف عنيف في يوم 11 إبريل 2003.
وفي يوم 22 يوليو 2003، قامت قوات التحالف بالهجوم على حي سكر وقتل أبناء الرئيس العراقي السابق عدي وقصي اللذين كانا في مدينة الموصل.
معركة الموصل (2004) وهي ضمن معارك حرب العراق.
معركة الموصل 2014 وفيها سقطت المدينة بيد تنظيم (داعش).
عانت الموصل من الويلات ومن أشهرها المجاعة التي دعيت «غلاء الليرة» سنة 1878م حتى أكل الناس فيها الحيوانات والجيف. وعانت مجاعة أخرى في نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1917م، التي دعيت «سنة الغلاء» نتيجة هزيمة الجيش العثماني في حربهم مع الإنجليز.