شكلّت المدرسة الرمزية، التي ظهرت في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، تأثيراً كبيراً على الأدب والفنون، وربما يكون تأثيرها الأبرز على الشعر بوجه خاص، ذلك لأنها جاءت بعد أن مر الشعر بمرحلة من الفتور، شكلت فيه المباشرة وأساليب المنطق والخطابة مظهراً فجاً، أبعد الشعر عن توهجه الجمالي. وقد يكون من جماليات الرمز هو تلك الشفافية التي مزجت بين الإيحاء واللغة التي تميل إلى الغموض، ولكن، من دون مبالغة.
كان من أبرز رموز هذه المدرسة الشعرية «بودلير» و«فيرلين» وكذلك راميو، غير أنّ ما أخذه النقاد على رامبو، هو ميله للغة فيها قدر أكبر من الغموض (وليس الإبهام) مقارنة ب «بودلير» و«فيرلين».
أفادت الرمزية في تطور الشعر من حيث الصورة، وكذلك الموسيقى، هذه الموسيقى التي صنفها النقاد تحت عناوين كثيرة منها على سبيل المثال (موسيقى اللفظة والقصيدة) حيث استفاد الشعراء الرمزيون من: الطاقات الصوتية الكامنة في الحروف والكلمات، مفردةً ومركبة، ومن التناغم الصوتي العام في مقاطع القصيدة، بحيث تصبح هذه الطاقة موظفة في التعبير عن الجو النفسيّ لدى المبدع، ونقله إلى القارئ بما تحدثه من الإيحاء «وهو الذي صنف كذلك في المنظور النقدي، بأنه مثل نقلة نوعية في الفهم الصوتي أو الموسيقي، التي ابتعدت، ما أمكن، عن القواعد الكلاسيكية والرومانسية المعروفة.
طورت الرمزية، من ملكة التعبير عن الأفكار والعواطف، وتلك المسافة النائية ما بين شراسة وقسوة الواقع، وذلك الخيال الشفيف المرهف الذي يوسع من دائرة تقبل الشعر وتلقيه، فبات الشعر أكثر غوصاً في المشاعر الجوانية للفرد، بما يختلط في هذه المشاعر، من أطياف مبهمة وأحلام خفية وأسرار دفينة، تشكل في مجموعها حقيقة الذات الإنسانية.
طورت الرمزية كذلك، من استخدام أدوات جديدة في اللعبة الشعرية، فكان هناك ميل للاستفادة من عوالم الأسطورة كظاهرة فنية وأداة تعبيرية، ما أسهم بدوره في تمكين الشعر ليصبح أداة تعبيرية وفنية تغوص في أعماق الذات، وتمنح الشاعر قدرة هائلة على التأمل والتبصر في الوجود.
كانت الفترة التي ظهرت فيها الرمزية كتيار ومدرسة فنية، قد تبعت مرحلة من فشل التجربة المادية في الوقوف على دواخل وخبايا الذات البشرية، فجاءت الرمزية ردَ فعلٍ لهذا الفشل والإفلاس العلمي والمادي، وكان من طلائع المفكرين أدباء وكتاب، كالألماني «جوته» والأمريكي إدجار آلن بو، قبل أن تمتد تأثيراتها إلى فرنسا، فبودلير شاعر «أزهار الشر» المعروف بوصفه من أبرز الشعراء الذين تركوا أثراً كبيراً في الشعر العالمي، وتبعه «ميلارميه»، وفي إنجلترا «وليم بلاك» وهي الأسماء التي أرست، في ما بعد، قواعد وأفكار الرمزية، بوصفها تياراً أدبياً وفنياً يستوعب عوالم قصيَّة رحبة تتجاوز ما هو حسي ومجرد، نحو عالم النفس والروح.
المحرر الثقافي