مارلين سلوم

ليس مهماً أن تفهم كل الأحداث، ولا أن تسقط منك محطات، وتتوه في متاهة السيناريو.. فحين تشاهد فيلم أكشن من الطراز الأول، لا بد أن تدرك أن الفيلم يركض مع أبطاله في سباق الكل يلهث فيه، ليصل سريعاً إلى ذروة الإثارة المشهدية، وينتهي الفيلم على خير دون أن يموت البطل أو يتهتك ضلع من ضلوعه. هكذا تعيش مع مغامرات توم كروز الجديدة في فيلم «جاك ريتشر: لا عودة»، ولا تسأل من أين تبدأ ولا كيف تنتهي.
لم يعد توم كروز يجتهد في التمثيل، ولم نعد نرى أو ننتظر منه أداء عبقرياً بمفهوم الأداء التمثيلي. وكأنه روبوت يتحرك بلا مشاعر، نادراً ما يتأثر بقصة رومانسية أو يتفاعل مع موقف إنساني. جامد، يعتمد فقط على براعته البدنية وعشقه للمغامرات الخطرة التي يتحدى بها كل النجوم العالميين، رافضاً الدوبلير الذي ينوب عنه في المشاهد الخطرة. ينفذ كل القفزات بنفسه، ويقود الدراجات والسيارات في السباقات المحمومة في الأفلام، وكأنه يمارس هواياته أمام عيون ملايين المشاهدين.
مهارات كروز بدنية بامتياز، مبهرة للعين، تعتمد كثيراً على التقنيات في الإخراج والتصوير من أجل تقديم فيلم يرفع نسبة «الأدرينالين» لدى المشاهدين فيتحمسون ويعيشون المغامرة مع البطل حتى النفس الأخير، ويخرجون منها سالمين. والقاسم المشترك أيضاً بين بطل الفيلم والجمهور، أن الجميع يخرج مبتسماً، وكأن شيئاً من تلك المعارك والتفجيرات والمطاردات والقفزات لم يكن..
فيلم «جاك ريتشر: لا عودة» هو الجزء الثاني من فيلم «جاك ريتشر» الذي عرض عام 2012. القصة قائمة على رواية «طلقة واحدة» للكاتب البريطاني لي تشايلد، كتبها للسينما وأخرجها كريستوفر ماكواري الحائز على أوسكار عام 1996 عن فيلمه «المشتبه بهم المعتادون». أما الجزء الثاني «لا عودة» فهو من إخراج إدوارد زويك وكتب له السيناريو ريتشارد ونك.
جاك أو «ريتشر» كما ينادونه، هو الرائد «السابق» صفة يحرص على التذكير بها طوال الفيلم، كدلالة على تخليه عن مهامه وعن زيه العسكري، لكنه لا يتخلى عن ضميره الإنساني الذي يحثه على إحباط عملية إتجار بالبشر، كان سيتم فيها بيع أسرة من المهاجرين وبعلم من «الشريف». من هنا تنطلق حكاية الفيلم، ونتعرف إلى الرائد سوزان تيرنر (النجمة كوبي سمولدرز) التي تحل مكان ريتشر في مقر قيادة الوحدة العسكرية في الجيش الأمريكي، يبلغها عن العملية فيتعاونان لإحباطها وسجن الشريف. يتفقان على موعد للقاء قريب، وحين يقرر ريتشر العودة إلى مقر القيادة لزيارة «تيرنر»، يفاجأ بخبر إيقافها عن العمل وسجنها بتهمة التجسس. يتواصل مع المحامي المكلف بالدفاع عنها، فيكتشف خيوطاً من اللعبة. وكعادة هذه الأفلام، كلما وصل البطل إلى حل لغز، يُقتل الدليل وتتعقد الأمور أكثر. يُقتل المحامي ويتهم ريتشر بالجريمة فيدخل السجن، حيث يستخدم إحدى حيله ليصل إلى زنزانة تيرنر ويهربان معاً.
المشكلة في هذا العمل أن الخيوط تتعقد كثيراً وتتشعب دون داع، وكلها تدور حول نقطة واحدة، لا نفهم حقيقتها إلا في اللحظات الأخيرة من الفيلم، حيث يكشف الثنائي بعد مطاردات طويلة تورط عصابة من «الكبار» في سرقة شحنات من الأسلحة من الجيش الأمريكي وبيعها لمنظمات خارجية. ومن تشعب الأحداث أن تنبت ابنة لريتشر من حيث لا يدري، عمرها 15 عاماً وكل ما يعرفه عنها أن اسمها سامنثا (دانيكا ياروش) وعليه أن يكتشف الحقيقة توازياً مع قضيته. وتصير هذه الابنة الافتراضية نقطة الضعف التي يستغلها «الصياد» (باتريك هوزينجر) للإيقاع به.
باتريك هوزينجر مقنع جداً بدور الصياد، والمنافس الحقيقي لتوم كروز في هذا العمل، والشخصية الحاضرة بقوة في غالبية إن لم يكن كل المشاهد. هو الرجل الذي ترك الخدمة في الجيش الأمريكي ليصبح قاتلاً مأجوراً، لا يرحم ولا يتنازل عن مهمة أوكلت إليه إلا بعد أن يُجهز على الهدف.
لا اختلاف بين جاك ريتشر وبين إيثان هانت في سلسلة «مهمة مستحيلة»، بل أيضاً لا فرق بين هذا الفيلم وبين كل البطولات الخارقة في السينما الأمريكية والقائمة على مبدأ المطاردات والجاسوسية والقتل. وكأنها سلسلة واحدة، تتبدل فيها وجوه الشخصيات، وتستمر الحكاية إلى ما لا نهاية.
كوبي سمولدرز ودانيكا ياروش تألقتا بالأكشن النسائي، وتمكنتا من مجاراة كروز في الركض والرشاقة والخفة في الحركة.. طبعاً لا ننسى دور المخرج إدوارد زويك في التصوير والإيقاع السريع الذي تماشى مع الأحداث ولم يفقدها رونقها. ويؤخذ عليه أنه قدم أبسط أنواع الأكشن لتوم كروز، فبدا النجم وكأنه في استراحة المحارب، يتسلى بهذا العمل محافظاً على لياقته، استعداداً لعمل جدي مقبل بنفس مستوى «المهمة المستحيلة». أو أن كروز بدأ يشيخ سينمائياً، وهو ما نستبعده تماماً.
تكلفة الإنتاج 60 مليون دولار وقد استطاع أن يحقق إيرادات عالية فاقت إيرادات الجزء الأول خلال الأسبوع الأول من عرضه. الفيلم إنتاج «براماونت» و«سكايدنس» وتوم كروز و«شانغهاي فيلم».
غالباً ما صرنا نسمع في الأفلام الأمريكية أسماء دول غارقة في حروب وأزمات سياسية وأمنية ومنظمات إرهابية. وفي «جاك ريتشر: لا عودة» تكون أفغانستان هي الأرض التي تنطلق منها «الخيانة العسكرية» داخل الجيش الأمريكي، حيث يتم اغتيال مجندين كانا يعملان تحت إمرة تيرنر، ويستولي «الصياد» على شحنة الأسلحة بالتنسيق مع عصابة يقودها أحد النواب. من إيجابيات الفيلم أنه يقدم بؤراً في أمريكا مليئة بالخارجين على القانون ومروجي ومتعاطي المخدرات. ونلتقط عبارات مهمة مثل: «الخيانة أتت من داخل الجيش الأمريكي وليست من طالبان». «الممنوعات في نيو أورلينز أكثر بكثير مما في أفغانستان». كان يمكن التعمق أكثر في هذه القضية الحيوية طالما أن الكاتب والمخرج دخلا إلى نيو أورلينز وقدما صورة عن الأحياء الفقيرة حيث التجارة بكل أشكال الممنوعات، وحيث يفترش المدمنون الأرض.
أزقة ومؤامرات وخيانة وطنية وقضية جاسوسية، وأزمة الجنود العائدين من حرب أفغانستان، والعقد النفسية.. مجموعة قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية مر عليها الكاتب دون التعمق فيها مع أنها تصلح لجذب الجمهور ولا تبخس «الأكشن» حقه. كان من الأفضل استغلالها لتقديم فيلم غني دون أن يخلو من الإثارة والتشويق والذكاء الخارق والحس البوليسي العالي لدى بطله جاك ريتشر، بدل أن يكون أكشن «خالي الدسم».

[email protected]