محمد ولد محمد سالم

يوم ذي قار، هو أول أحد أيام العرب المشهودة، وهو يومٌ له خصوصيته بالنسبة للعرب، لأنّه أول يوم «تهزم به العربُ العجمَ » كما قيل، فقد كان العرب قبائل شتّى، لا يجمعهم حكم ولا دولة، وكانت على حدودهم دول قوية منها: دولتا الفرس والروم، اللتان تتمتعان بجيوش منظمة وذات عدة وعتاد كبير، لاطاقة لتلك القبائل المشتتة في بوادي الجزيرة العربية بها، وكان ملوك الدولتين، يعتبرون ما جاورهم من بلاد العرب تبعاً لهم، يأمرون أهله وينهونهم كما يشاؤون، وكان النعمان بن المنذر ملكاً على الحيرة، يتبع لحكم كسرى ملك الفرس، وقد امتُدِح لكسرى جمال بنات النعمان بشكل خاص، فبعث كسرى إلى النعمان يطلبه أن يزوّجه إحدى بناته، فشقّ ذلك على النعمان، وأرسل إلى كسرى رسالة اعتذار، أنكر فيها أنّ له بنات جميلات، وأضمر كسرى الشرَّ للنعمان، وبعد أشهر بعث إليه يطلب منه الحضور بين يديه، فعلم النعمان أنّ كسرى سيقتله.

خرج النعمان يبحث في العرب عن قبيلة تجيره من كسرى، فكانت القبائل تمتنع عن إجارته خوفاً من بطش كسرى، فذهب إلى بني شيبان في بادية العراق، ولقي سيدهم هانئ بن مسعود الشيباني، وكان سيداً منيعاً، فاستجار به فأجاره، وقال له: «قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك ممّا أمنع نفسي وولدي منه، ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل، ولكنّ ذلك غير نافعك، لأنه مهلكي ومهلكك، وعندي لك رأي، لست أشير به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي، ولكنه الصواب. فقال: هاته، فقال: «إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه إلاّ أن يكون بعد المُلكِ سُوقة، والموت نازل بكل أحد، ولأَن تموت كريماً خيرٌ من أن تتجرّع الذل أو تبقى سوقة بعد المُلك، هذا إن بقِيتَ، فامض إلى صاحبك، واحمل إليه هدايا ومالاً، وألق بنفسك بين يديه، فإمّا أن يصفح عنك فتعود ملكاً عزيزاً، وإما أن يقتلك، فالموت خير من أن يتلاعب بك صعاليك العرب، ويتخطفك ذئابها، وتأكل مالك وتعيش فقيراً مجاوراً أو تقتل مقهوراً». فقال النعمان: «فكيف بحرمي؟ قال: هنّ في ذمتي لا يَخلص إليهن حتى يخلص إلى بناتي، فقال: هذا وأبيك الرأي الصحيح ولن أجاوزه».
فذهب النعمان إلى كسرى حاملاً له الأموال والهدايا، فسجنه ثم قتله، ثم بعث إلى هانئ بن مسعود الشيباني يريد نساء النعمان وأمواله، فأبى هانئ أن يعطيه ذلك، حفظاً للأمانة والعهد الذي قطعه للنعمان، فغضب كسرى على بني شيبان، وبعث إليه بجيش جرّار من الفرس، فبلغ ذلك بني شيبان، فاستنجدوا بأبناء عمومتهم من قبائل بكر بن وائل، فأنجدتهم بالرجال والعتاد، واجتمعوا في ذي قار وهو ماء لبكر بن وائل قريب من المكان الذي أقيمت فيه الكوفة، وبعثت كثير من قبائل العرب برجال وأموال إلى بني شيبان، وكان الموسم موسم قيظ وحرّ شديد، وقاتل العرب قتالاً مستبسلاً لم يهابوا فيه العدة والعتاد والخيل لدى عدوهم، وما كان إلاّ يومان حتى هُزِم الفرس وتشتت جيشهم في الصحراء، وتبعتهم بنو شيبان وبنو بكر ومن معهم يسلبون عدتهم وأموالهم ويقتلون رجالهم، وكانت شر هزيمة مني بها الفرس على أيدي العرب، وذلك عام 609م.
وقد خلّد أعشى قيس هذا النصر في قصيدة شهيرة له، يفتخر فيها بقومه، وببسالتهم وصدق عهدهم، وحسن جيرتهم للضيف، وقوتهم على القتال، حتى هزموا الفرس، وذكر فيها من مكارم الأخلاق الشيء الكثير.