الشارقة: محمد ولد محمد سالم

الدكتور عارف الشيخ مثقف وشاعر ومؤلف إماراتي، موسوعي يجمع بين مجالات شتى، ولد في دبي عام 1952، نشأ له منذ الصغير اهتمام نادر بالكتاب، أخذه عن والده الذي كان مفتياً ومدرّساً للفقه واللغة، وقد تطور اهتمامه بالكتب على مدى سنوات عمره، وكانت نتيجة ذلك الاهتمام أن جمع ثروة هائلة من الكتب القيمة في شتى المجالات، تضم اليوم أنواعاً من الكتب، منها القيم الثمين، ومنها النسخ القديمة النادرة التي لم تعد موجودة، ومنها ما له معه حكاية طريفة، وما ترك أثراً في نفسه. «الخليج» زارت مكتبة د. عارف الشيخ، وحاورته حولها.
كانت البداية عن علاقته بالكتاب وكيف جمع الكتب: يقول د. عارف الشيخ «مكتبتي تحتوي على جزء من مكتبة الوالد، فكوني من أسرة علمية قد فتح عيني على الكتاب مبكراً، إذ كان الكتاب حاضراً في البيت مع والدي الشيخ عبد الله الحسن الذي كان عالماً موسوعياً جمع بين الفقه والتفسير، ولغوياً ومحدثاً وواعظاً ومفتياً، ودرس ودرّس في الحرم المكي، وعندما بدأت أعي وأميز الأشياء، خصوصاً من عمر السابعة، لم يعطني فرصة للّعب وتضييع الوقت، وقال لي العب مع الكتاب، فكان يشغل وقتي بالتعلّم، وكان ذلك يؤلمني أشد الألم، وكنت أجلس في البيت منزوياً أبكي، لكنني بعد وقت أخذت على عادة القراءة، فبدأت بحفظ القرآن ثم بدأ يعلمني أوليات النحو والإعراب والصرف والفقه، وكنت كل ما تماديت في التعلم ازددت حباً للكتاب وتعلقاً به، وكان والدي قد عاش في زمن لم يكن النشر فيه متوفراً، فكان ينسخ الكتب، وقد رأيت منه حرصاً على تلك الكتب التي نسخها بيده، وقرأ ما فيها، فكان هذا حافزاً لي أنا أيضا على الاهتمام بالكتاب والحرص عليه، وهكذا بدأت من سن المراهقة أعتني بالكتب وأجمعها، وأبحث عن الجديد منها والنادر أينما ذهبت، ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم تكوّنت لدي ثروة تقارب ستة آلاف كتاب، كما تعلمت منه أن تكون لدي أوراق أدوّن فيها ما يعرض لي من العلوم، وهو ما يسمى قديماً«كشكول»، وحفّظني قول أحد العلماء الشناقطة في باب تدوين العلوم: لا بد للطالب من«كنّاش» يجمع فيه العلم وهو ماشي».

كتب البدايات

في تلك الفترة المبكرة من حياة كاتبنا كانت هناك كتب بعينها شكلت الأساس لاتصاله بالكتاب، ولدخوله إلى عالم المعرفة من أصولها الأولى، ومن تلك الكتب التي قرأها ولا يزال يذكرها، ويحتفظ بنسخ منها، كتاب متن الأجرومية في النحو، وألفية بن مالك في النحو كذلك، وسلم الأخضري في المنطق، وشرح المعلقات السبع للزوزني، والجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون لعبد الرحمن الصغير الأخضري في البلاغة، ومجموع المتون للنووي، وتفسير الجلالين، وجواهر الأدب للهاشمي، وغيرها من الكتب في مجالات اللغة والشعر والفقه والتفسير والحديث، فلعبت هذه الكتب دوراً بارزاً في تكوينه الثقافي والعلمي، وعندما انتقل عارف الشيخ إلى مكة المكرمة للدراسة، ثم في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة كانت توزع على الطلاب الكتب الدراسية، وكان شيوخ العلم يحرصون على تخصيصهم بالكتب القيمة، فتكوّنت له في تلك الفترة مكتبة لا بأس بها، كما كان على صلة بالشيخ عبد الله الأنصاري من قطر، الذي كان له اهتمام كبير بالعلم وحرص على نشره، فكان يهدي إليه بعضاً من تلك الكتب التي ينشرها.
بعد المدينة المنورة انتقل د. عارف الشيخ إلى القاهرة للدراسة في جامعة الأزهر، وهناك ازدادت اهتماماته الأدبية والعلمية، وأصبحت لديه الإمكانات لاقتناء الكتب، فأقبل على اقتنائها، وقد شُغِف بشكل خاص بالبحث عن الكتب النادرة، ومن تلك الكتب التي كان يسمع عنها، ولا يجدها في المكتبات كتاب «نَكْت الهميان في نُكَت العميان» لصلاح الدين الصفدي، حتى عثر عليه في مكتبة مصطفى البابي الحلبي في القاهرة، وهو كتاب نادر حقاً، ويقول الشيخ إنه استمتع أيما استمتاع، ووجد فيه علماً مفيداً وبلاغة وفكاهة، وقد تناول فيه مؤلفه معنى العمى وحَدّه ونوادر وسير العميان وشعرهم، وجاء فيه على ذكر كثير من مشاهير العميان من الصحابة والتابعين والعلماء والأدباء، وذكر أن العميان يمتازون بالذكاء وقلما توجد فيهم البلادة، وكذلك من الكتب النادرة التي سمع عنها حين كان في مكة، ولم يستطع العثور عليها إلا حين سافر إلى مصر كتاب «ألف باء.. في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة» لأبي الحجاج يوسف البلوي المالقي ت 604 ه، وقد سعد بذلك الكتاب واستفاد منه كثيراً كما قال.
ينصح د. عارف الشيخ الأجيال الحاضرة قائلا: «أقول لأبنائي من أجيال اليوم الذين يسعون إلى أن يكونوا مؤلفين، لا بد أن تقرأوا وتتثقفوا لأن ما تكتبونه هو عصارة، والعصارة إذا لم تكن من أصل صحيح وسليم، ولم تغذ بالتنوع، فإنها تكون عديمة الفائدة، قليلة النفع، وأنا لو أقارن بين الأمس واليوم أجد بوناً شاسعاً بين الأجيال، وقد لا يكون الأمر عائداً إلى انعدام القراءة، فهي موجودة على كل حال، لكن ما هو موجود منها ليس هو القراءة المعمقة المركزة التي تتيح للإنسان التعمق في العلم والفهم، بل هي مقتصرة على الأخبار والموضوعات الخفيفة المبثوثة في المواقع الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن أين هي القراءة المركزة التي يخلو صاحبه مع نفسه في ركن من مكتبة، ويضع بين يديه كتاباً؟.. هذه نادرة، إن اهتمام شيوخ الإمارات بإقامة المكتبات العامة، وتزويدها بالكتب القيمة في كل ميدان ليس عبثاً، بل هو ناجم عن فهم عميق لدور القراءة في صناعة الوعي، وإعداد الطاقات البشرية الخلاقة، لكن أجيالنا الشابة لا تعي ذلك، ولا تقدره حق قدره، واللوم في هذا هو بالدرجة الأولى على الأبوين اللذين كان من واجبهما أن يرشدا أبناءهما إلى قيمة الكتاب، وأن يخصصا وقتاً من اليوم للجلوس مع أبنائهما جلسة قرائية، حتى تكون القراءة عادة لهم، وأن يكون جناح الكتب في السوق واحداً من الأجنحة التي يقفون عندها، كلما ذهبوا للسوق، ويقتنون منها كتباً هادفة ليقرأوها مع أبنائهم، حتى يتعود هؤلاء الأبناء على المطالعة واقتناء الكتب.

كتب مدهشة

من الطبعات النادرة في مكتبة د. عارف الشيخ، «حاشية زاده على تفسير البيضاوي» لمحيي الدين شيخ زاده، وبالهامش المطبعة النفيسة العثمانية بالآستانة سنة 1305 ه المواقف لسنة 1885 ميلادية، ورغم أن هذا الكتاب طبع ونشر بعد ذلك عدة مرات إلا ميزة النسخة العثمانية، هي كونها مكتوبة بالتنسيق القديم مع العناية بالزخرفة في الحاشية، وعناية المحقق الكبيرة بصحة الرسم واللغة، وهي أشياء نادرة لدى محققي هذه الأيام، فقلّما تسلم كتبهم من الأخطاء، فهو يمثل تحفة فنية فريدة تغري المتصفح بقراءته.
ومنها أيضا كتاب «شرح العقائد النفيسة» لسعد الدين التفتازاني وهي طبعة نادرة، طبعت في دلهي في الهند عام 1870، والكتاب أيضا نادر يتعرض للعقائد السنيّة انطلاقاً من رؤية فرقة الماتريدية وهي إحدى الفرق السنيّة، وهو أيضا بخط المطابع الهندية القديمة الذي يحاكي النسخ تعليق، كما أن تنسيقه وزخرفته جميلان، وقد عني محققه بإخراجه لغوياً وإملائياً عناية فائقة.
ومنها كتاب «غاية البيان غاية البيان شرح زُبَد ابن أرسلان» تأليف شمس الدين محمد بن أحمد الرملي الأنصاري الشافعي (ت 1004ه طبعة دار المعرفة في بيروت 1340ه وهو كتاب في أصول الفقه الشافعي، وهذه الطبعة هي الأولى له، وقد عني محققها بها أشد العناية.
يقول د عارف الشيخ إن من الكتب التي حملت له مفاجأة كبيرة كتاباً عنوانه «الشرف الوافي في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي» لإسماعيل بن أبي بكر المعروف بابن المقري، وهو عبارة عن خمسة كتب في كتاب واحد، كتبه مؤلفه بنسق فريد، فكتب نص الكتاب الأول بطريقة عادية على شكل أفقي ثم جعل الكتب الأخرى على شكل أعمدة من الكلمات تتقاطع مع كلمات الكتاب الأول في أماكن محددة، فأصبحت الكتب على شكل أعمدة تتخلل النص الأصلي نزولاً، وبأبعاد محددة ثابتة بين كل عمود وآخر، وقد فرغ من تأليفه سنة (804ه- 1401م)، ولقي حفاوة من علماء عصره» يضيف د. الشيخ أنه حصل على هذا الكتاب قبل 45 عاماً، هدية من رجل من أهل العلم من قطر اسمه عبد الله الأنصاري، وقد أدهشه هذا الكتاب، فعكف على قراءته ينهل من العلوم التي تضمنها.
ومن أبرز الكتب التي شكلت وعيه «الساق على الساق في ما هو الفارياق» لأحمد فارس الشدياق (1804 - 1887)،فقد بهره أسلوب صاحبه ولغته الراقية، والكتاب يروي جانباً من السيرة الذاتية لمؤلفه، ويتخلله نقاش لمسائل لغوية عميقة تمس سائر مناحي الحياة، وبخاصة فيما يتعلق بشؤون المرأة والجمال، وفيه نقد للمجتمعات التي عايشها في لبنان ومصر ومالطة وتونس وإنجلترا وفرنسا.
ومنها أيضا «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي، وهو كتاب موسوعي في الأدب، ألّفه صاحبه بأسلوب سلس جميل، وأودعه ما وقع عليه اختياره من نصوص شعرية ونثرية، منها الأحاديث النبوية، والمكاتبات الأدبية والحكم الباهرة، والأبيات النادرة، والأمثال الشاردة، والأخبار الواردة، والوصايا النافعة والمواعظ الجامعة، والمناظرات المستظرفة، وقد كان هذا الكتاب خير دليل للدكتور عارف الشيخ، استرشد بنبراسه في صنعة الكتابة.

الإهداءات

بعد عودة د. عارف الشيخ إلى الوطن، وانشغاله بالكتابة والتأليف أصبح له مصدر آخر للحصول على الكتب، وهو الإهداءات الكثيرة التي أصبحت الكتب تنهال عليه من المؤلفين والكتّاب والأصدقاء، في الإمارات وغيرها من الدول العربية، من أجل قراءتها وإبداء رأيه فيها، وهذا كله كان السبب في تكوين هذا الكنز الكبير من الكتب الذي يحتفظ به اليوم.
يقول عارف الشيخ: «القراءة هي أم الكتابة والتأليف، والعناية بالكتاب وكثرة مطالعته يبعث على التفكير السليم، ويصنع المؤلف الجيد، وهذا في العموم، أما حين يصل المرء إلى مرحلة البحث المتخصص، فإن قراءاته تزداد طولاً وعرضاً، فهو يحتاج إلى مصادر ومراجع كثيرة، ويحتاج إلى أن يطلع على تفاصيل ما فيها كلها، وأنا بحكم تكويني المتعدد الجوانب أميل إلى الثقافة الموسوعية، وقد جعلني ذلك متعدد الاهتمامات أكتب في الفقه والتاريخ والأدب والتعليم، ونظراً لأن أغلب البدايات في دولة الإمارات لم يكتب عنها كثيراً، فقد حملت على عاتقي مهمة توثيق تلك البدايات في عدة مجالات، فكتبت عن «تاريخ التعليم في دبي» و«تاريخ التعليم في أبوظبي» و«تاريخ التعليم في الشارقة» وهو قيد الطبع، و«تاريخ الخدمات الصحية في الساحل المتصالح» و «تاريخ القضاء»، و«تلفزيون الكويت» من دبي، وكتبت في القضايا الاجتماعية مثل «نون النسوة» و«الطلاق»، وفي التربية كتبت «القراءة من أجل التعليم» و«كيف تكون ناجحاً» و«أولادنا أكبادنا»، وكتبت أراجيز تعليمية، ومجموعات شعرية، وقد وصل عدد كتبي إلى 65 كتاباً في كل تلك المجالات، وأنا مستمر في قراءاتي وتأليفي خدمة للعلم وللوطن.