أبوظبي: آلاء عبدالغني، أحمد أبوشهاب، رند حوشان

اختتمت أمس، فعاليات الملتقى الثالث لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، التي استمرت على مدار يومين تحت رعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، وشارك فيها نخبة من قادة الدين والفكر في العالم العربي والإسلامي بفندق أبراج الاتحاد في أبوظبي.
وشهد المنتدى للمرة الأولى في التاريخ العربي المعاصر نفي رجل دين لوجود دولة إسلامية أو ما يسمى بالخلافة، أو«الحاكمية»، حيث فند العلامة فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة هذه الموضوعات المهمة والمتفجرة في حال الأمة الحرج الذي تعيشه راهناً، مؤكداً أنه لا يجوز نزع الشرعية عن الدول الوطنية أو محاربتها في حال لم تنضم لكيان موحد تحت أية تسمية، مؤكداً أن «الخلافة» وغيرها من الشعارات التي يقتل فئة ضالة من الناس أنفسهم لتحقيقها هي لا تتعدى كونها أوهاما.
أكد أن الدولة الوطنية المعاصرة تستمد مشروعيتها من قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد، «ما يعني أن دولة الخلافة هي صيغة حكم غير ملزمة للمسلمين».
وأكد المشاركون في الملتقى، أن طبيعة الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة الخاتم اقتضت أن تتسع أصولها ومقاصدها للبشرية جمعاء وأن تترك للعقل والرأي والتجربة الإنسانية النصيب الأوفر في تدبير ما الأصل فيه التغير والتطور كمسائل الدولة ووظائفها ومؤسساتها، دون التغافل عن حقيقة أن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني والدنيوي والإحالة المتبادلة بينهما في الإسلام، لضعف معرفتهم بطرق الاستنباط من النصوص ومقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد ويدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد.
وتلاقت دراسات الملتقى الثالث على حقيقة مؤصلة، مفادها، «أنه لا يوجد في شريعتنا عن شكل السلطة وصلاحياتها ومكوناتها وطريقة تداولها أحكام ثابتة ملزمة، إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف الناس وأحوالهم، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام.
وناقشت الجلسة الأولى في اليوم الثاني للمنتدى، محاور مهمة وترأسها الدكتور أد حسين من المملكة المتحدة، واستضافت الدكتور جيمس زغبي، مدير المعهد العربي الأمريكي، والشيخ حمزة يوسف عضو مجلس أمناء المنتدى، ورئيس كلية الزيتونة بكاليفورنيا.
وتحدث يوسف في «دور الدين في المجتمعات المسلمة من خلال استطلاعات الرأي»، عن الأسباب التي تنشأ عنها المحن من منظور المقريزي، التي هي انتشار الفساد والرشوة، وغلاء الأطيان، ورواج الفلوس، ومثالا على ذلك، فإن سوريا كانت تعدّ من أفسد الدول من ناحية انتشار الرشوة والفساد، أما بالنسبة لغلاء الأطيان فهي ثامن أغلى الدول فيها، وحتى يستطيع الإنسان أن يشتري عقاراً لا بدّ من أن يعمل ألفاً و700 سنة حتى يتمكن من ذلك، إلى جانب التضخم إذ إن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار ارتفع بين 1989 - 2010.
وأشار إلى الدراسة التي أجروها في هارفرد، عن المقارنة بين التركيز على الإيمان والإسلام، ووجد أن 58% من آيات القرآن الكريم تركز على الإيمان، و60% من التراث الإسلامي يركز على الإسلام والأحكام الظاهرة و40% يركز في الإيمانيات. أما العصر الحديث فكل التركيز فيه على الإسلام.
وأوضح، أن الفكر الإنساني ينقسم إلى 3 أقسام، وهي؛ التصور، والتثقيف، والقياس.
وقال الدكتور جيمس زغبي، في «أزمة الدولة أم أزمة الدين؟»: «إن الحوار يفتح الباب للحديث والنقاشات، ومن خلاله يمكننا معرفة ما يدور في أذهان الأشخاص، ونحتاج إليه في الحصول على المعلومات والتركيز، موضحاً أنه من خلال استطلاعات الرأي التي أجروها، فإن أكثر من 80% في السعودية يعتقدون أن الناس يؤثرون في المجتمع، و80% في الإمارات. أما عن استطلاع الرأي عن «من أين تحصل على الأفكار الدينية؟»، فكانت النتائج أن أهل السعودية والأردن يحصلون عليها من المساجد، وأهل الإمارات ومصر من التلفاز.
وتمحورت الجلسة الثانية عن تجربة الإمارات في تعزيز السلم، واستعرضت خلالها الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة الدولة للتسامح تجربة الإمارات في هذا الصدد قائلة: «إن الدولة قامت على أسس متينة وثوابت راسخة مبنية في علاقاتها مع مختلف الدول والجنسيات والثقافات والأديان وعلى أساس الاحترام المتبادل، مشيرة إلى أن مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان، وإخوانه الآباء المؤسسين طيّب الله ثراهم، حرصوا على أن تكون الإمارات داعية سلام ووئام، ورمزاً للتسامح والتعايش والانسجام ونبراساً للتعاضد والتضامن، ومعلماً للتآخي والتعاون ومهدا للتواصل الإنساني والتفاعل الحضاري».
وأضافت: «وعلى هذا النهج الراسخِ والفلسفة الحكيمة سار خير خلف لخير سلف صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيسِ الدولة، رئيس مجلسِ الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانهم أصحاب السمو أعضاء المجلسِ الأعلى للاتحاد حكام الإمارات».
وأوضحت أن دولةَ الإماراتِ قيادة وحكومة وشعباً تؤمن ببناء الإنسان والإنسانية، وتحرص على قيمِ التسامحِ والإخاء والاحترامِ المتبادل والتّعاون مَع الآخرين كَأُطر مرجعية ومنطلقات وطنية ثابتة تحافظ على النسيجِ الاجتماعي والتوافق المجتمعي، وتضمن الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والعالمي، لأن الإمارات تَأْخذ على عاتقها المسؤوليةَ والواجب الوطني، إلى جانب التزامها بالمسؤولية العالمية المشتركة مع الأسرة الدولية، نحو تحقيق الخير والسعادةِ والازدهارِ والرخاء لجميعِ شعوب العالم.
وتابعت الشيخة لبنى: «نحن في دولة الإمارات لم نغفل عن التحديات التي يمر بها العالم نتيجةَ العنف والكراهية والتمييز، ولم نأْل جهداً في مكافحة الإرهاب والتطرف بكل أشكاله ومظاهره وصوره، منذ تأسيسِ اتحاد الدولة في عامِ 1971، حيث اتخذت خطوات متسارعة وفعالة للقضاء على ظاهرة الإخلالِ بالأمنِ والسلم، من خلالِ العمل على نشرِ الخطاب الديني المعتدل الذي يعالج الإرهاب والتعصب، ويتصدى لأفكار الغلو والتشدد والطائفية، ويواجه ويمنع التطرف الفكري والتحريضي من جهة، وينشر قيم التسامحِ والوئام والتعايش والاحترام من جهة أُخرى».
وأكدت أن الإمارات حرصت أيضاً على صياغة سياسات وإجراءات فاعلة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية لاستدامة تعزيز السلم في المجتمعات.
واستعرضت جملة من الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتعزيزِ جهودِها الرائدةِ في تحقيق التسامحِ والتعايشِ والسلام.
واختتمت وزيرة الدولة للتسامح بالقول: «الإماراتِ تبوأت المرتبةَ الثالثةَ عالمياً في مؤشرِ الثقافة الوطنيةِ المرتبطِ بدرجةِ التسامحِ ومدى انفتاحِ الثقافةِ المحليةِ لِتَقَبلِ الآخر، إذ صعدت مِنَ المرتبةِ الثامنةِ عامَ 2015 إلى المرتبةِ الثالثةِ عامَ 2016، بحسبِ تقريرِ الكِتابِ السنوي للتنافسيةِ العالمية 2016».
وعرض الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، الأمين العام للمنتدى، استراتيجية الخطاب الديني في دولة الإمارات لتعزيز ثقافة التسامح والسلام.
وأشار الي أن إجمالي عدد مساجد الدولة بلغ حاليا 5 آلاف و469 مسجداً بواقع 673 مسجدا في مدينة أبوظبي وألف و73 في العين و935 في الغربية و389 في دبي و540 في الشارقة و287 في عجمان و165 في أم القيوين و914 في رأس الخيمة و306 في الفجيرة و 187 في خورفكان.
وفيما يتعلق بضمان اعتدال الخطاب الديني، أشار إلى أن الهيئة تتخذ مجموعة من الإجراءات منها: عدم السماح لأصحاب الفكر المتطرف ببث أفكارهم المتشددة والترويج لها، والالتزام بحرمة المساجد ومنع استغلالها للأنشطة المحظورة، ورصد المخالفين إلى جانب التقييم المستمر لجميع المعنيين بالخطاب الديني واعتماد معايير لاستقدام وتعيين العاملين في الخطاب الديني تحظر الانتماء إلى أي حزب أو جماعة دينية.
وأوضح الكعبي أن هوية الخطاب الديني في الإمارات ترتكز على تحقيق مجتمع مستقر متلاحم والحفاظ على الهوية الوطنية والولاء والانتماء للوطن وتحقيق الأمن الفكري والاجتماعي، وحماية المجتمع من الأفكار الهدامة.
وأوضح أن هناك لجنة مشتركة مشكلة بين الهيئة ووزارة التربية والتعليم، ومجلس أبوظبي للتعليم لتطوير مناهج التربية الإسلامية لضمان عدم احتواء النصوص المختارة والموضوعات والمحاور لأية أفكار متشددة والتأكد من تفسير النصوص الشرعية وتوظيفها بشكل صحيح.
وأشار الدكتور شاهد مالك، وزير العدل البريطاني السابق إلى جملة من الأحداث المؤلمة التي يعانيها المسلمون في المنطقة العربية والعالم، من قتل وتشريد، إذ إن هناك أكثر من مليار و500 مليون مسلم 60% منهم من النساء، وهناك ملايين الأطفال الذين يعانون الفقر والولادة في ظروف صعبة وخطرة، إلى جانب عدم توافر التعليم الأساسي للملايين منهم، لافتاً إلى أن هذه المشكلات نفسها تتوارثها البشرية منذ الأزل، وهي سبب اجتماع كوكبة العلماء والمفكرين في هذا الملتقى، لخلق التواصل والحوار في العالم من أجل غد مشرق مستنير.
وأكد إمكانية إيجاد حلول كثيرة، داعياً الجميع للتكاتف والعمل المشترك من أجل بناء عالم ومستقبل أفضل للأجيال القادمة، لافتا إلى أن الصراعات الكثيرة التي تشتعل هنا وهناك في دول عدة من المنطقة والعالم، تكلف الحكومات مبالغ طائلة من ميزانياتها، الأحرى بها صرفها على حل المشكلات وإغاثة المنكوبين في مناطق النزاع، موضحاً أن هناك 2% من ميزانيات الدول تنفق على الصراعات وتمويل الحروب، وهو ما يساوي مليارات الدولارات التي يجب أن تصرف على تحسين الحياة لا لإنهائها، حيث هناك ضحايا يدفعون حياتهم ثمناً لذلك.
وأضاف: «علينا جميعاً العمل من أجل نشر أفكار العلامة فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، الذي يتناول مسائل فقهية معقدة نحن أحوج إليها الآن أكثر من أي وقت مضى».
وقارب الدكتور شاهد مالك بين ما يحدث في كل من ليبيا وسوريا، حيث قضى 50 شخصاً في غارة جوية على بنغازي، وقوات الناتو تقصف عددا من المناطق بشكل غير مسبوق على قياس عالمي، مخلفة دماراً هائلاً إلى جانب إزهاق أرواح كثيرة، بينما يقضي 450 ألف ضحية في سوريا خلال الأحداث الدامية التي تشهدها وأكثر من 500 آخرين قضوا نتيجة استخدام الأسلحة الكيماوية دون تدخل من أحد، ودون أن يحرك أحد ساكناً، متسائلاً: «لماذا حياة 50 ليبياً لا تساوي حياة 450 ألف سوري لدفع الناتو والعالم أجمع للتحرك لإيقاف المجازر البشعة التي تحدث في سوريا؟»، مؤكداً أن التاريخ سيكون الحكم وسيقول كلمته في هذه القضايا.
وخلال الجلسة الأخيرة التي حملت عنوان«إعلان مراكش للأقليات الدينية في البلاد الإسلامية» وترأسها الدكتور وليام فندلي من منظمة الأديان من أجل السلام، تحدث الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري وثيدور ادغار ماكريك، أسقف واشنطن السابق، وهشام هيلر، أكاديمي وباحث بريطاني، وعبدالحكيم جاكسون، عضو مجلس حكماء المسلمين وأستاذ في جامعة ميتشيغان وجان فيجل، المبعوث الخاص لتعزيز الحرية الدينية خارج الاتحاد، ومنزيلا من إندونيسيا.
وأكد ماكريك، أن اعلان مراكش، يحمل قيمة ومعاني عظيمة، حيث يسلط الضوء على سماحة الإسلام، ويدعو العالم في الوقت نفسه إلى بناء مواثيق مهمة في التسامح والتصالح والتعايش السلمي، وتعزيز مبدأ الحقوق والواجبات على أساس متين، وعلى المسلمين أن يأخذوا هذا الإعلان طريقا لهم في بناء علاقات عالمية تظهر محاسن الإسلام.
وقال جاكسون «إعلان مراكش يعزز حضور السلم عنصرا أساسيا من عناصر التدين، وأن علينا نحن المسلمين أن نعرف أننا تحت المجهر، ولا يمكننا في عصر العولمة أن نستمر في الانفصال، بل علينا ان نعمل على تأسيس ثقافة تتيح للدين التعبير عن نفسه، وإمكانية بناء حضارة مع العالم مع الاحتفاظ بالهوية».
وقال جان فيجل: يجب أن نعمل على إنجاح إعلان مراكش، لأنه لو فشلنا في هذا المساق المهم، سنكون قد فشلنا في الحضارة، وسينتصر الخوف من الإسلام في أوروبا.
وأكد هيلر، أن أهمية إعلان مراكش تنبع مما جاء في مضامينه المهمة، كونه مصدر احترام وإقرار من شخصيات عالمية المستوى في المجالات كافة، لافتا الى أن الإعلان يتناول فكرة المواطنة، وهي أمر مُسلم به في مجتمعاتنا المتحضرة.
وقالت منزيلا «يجب أن يدخل إعلان مراكش الى مدارسنا، ومجتمعاتنا، ومراكزنا العلمية والبحثية، يجب أن يدرس في جامعاتنا منهجاً حضارياً إنسانياً متميزاً.
وقال الدكتور محمد السنوسي: «إن إعلان مراكش لقي دعما وقبولا دوليا وأمميا كبيرا خاصة أنه يحمي الأقليات الدينية في بلاد المسلمين».
وقال محمد مختار جمعة: «اتخذت مصر، منذ تفجيرات الكنيسة بالقاهرة، التدابير اللازمة تحت إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية، وهو ما يؤكد اهتمامنا بتعزيز السلم، وفي أقل من ساعة كان رئيس الحكومة وكبار المسوؤلين والقساوسة في قلب الحدث، وعمّمت خطبة الجمعة في أغلب المساجد بأن الاعتداء على الكنائس كالاعتداء على المساجد.