الشارقة: «الخليج»
 
 هذه واحدة أخرى من القصائد العذبة والشجية، تلك القصائد النابعة من القلب، عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل، مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وقد عود سموه مستمعيه وقراءه الكثر على أرفع القصائد وأعذبها، وكما هو شأنه في قصائده الكثيرة، سواء في الوطنيات، وفي المفاخر، ومواقف الرجال، وكما هو أيضاً في المفاصل الحياتية الكثيرة، ها هو يعبر في قصيدته الجديدة «أحلى قمر» التي تتألف من ستة عشر بيتاً عن حالة شعرية، مداها القلب، ومداها الشعور، وهي تعبير عن حس إنساني رفيع، حيث يبرز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ببراعته المعهودة، ومن خلال شعريته العالية في التعبير عن هذه الحالة التي تختال فيها الكلمات، وتتراقص العبارات، وتسمو فيها المعاني، قصيدة معبرة عن دواخل سموه التي تهفو للأجمل، والأرق، والأحلى كما هو شأنه في أشعاره المغناة، والمسموعة على نطاق واسع في الساحة العربية، من محيطها إلى خليجها الشاسع.
يبدأ سموه هذه القصيدة بمفتتح يعبر عن صدق فني واضح، وتصوير بارع، حين يقول:
 
دوم في بالي خيالك من غلاك
                              صورتك منها تصاوير الصّور
وين ما أنظر يقابلني حلاك
                           في السّما في الأرض يا أحلى قمر

هذه الانطلاقة القوية والمؤثرة التي تبدأ من الوجد، من داخل الشاعر، حيث قلبه ومشاعره الرقيقة، إنما تعبر عن فلسفة في الحب، وفلسفة في الجمال، الحب والجمال هنا، هما خلاصة القصيدة وجوهرها، وهما يشكلان بعداً رئيسياً في مرامي الشعر وشجونه، هما يعانقان ذلك البعيد، حيث تتسامى ذرات الوجود فتحيل تلك الانتفاضة الشعرية الإنسانية إلى مستوى آخر من الحب.. كأنه حب كوني، وسفر من خلال الكلمات إلى حيث المطلق، هذا المطلق الذي يروم الكمال والسفر في ملكوت الحب ذاته، حيث تنفتح أسارير الشاعر هنا على مصاريعها لتلقي بأحمال الحب - إن جاز التعبير- وهو حمل ظريف ووديع وشجي، ومغامر، فيه من المكابدة الحسية بمثل ما فيه من التطلع الأبعد.
صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هنا، كأنه يرسل هذه الباقات من الكلام الأنيق، والمعبر والصادر من القلب، من خلال الحب، ومن خلال لغة الحب، ومن خلال الشعر، بلغة ذات جرس موسيقي واضح، بذات القدر من الصور الشعرية والجزالة اللفظية، ببساطتها، وعفويتها الشفيفة التي تطرب الأذن، فينتشي لها القلب والوجدان بأعذب الكلام وأرق العبارات.
يقول سموه:

من كثر ما الله من الفتنة كساك
                              تنشرب يا صويحبي لو بالنظر
قلبي المحروم خايف من جفاك
                                مرتبش ويدق ناقوس الخطر
إنته صدق إنسان أو انته ملاك
                            لأن هذا الزين ما هو في البشر


الحب في هذه القصيدة، هو تعبير عن روح تتطهر، فترى، وتسمع، وتحس، غير أنها ترى ما لا يراه الآخرون، وتسمع ما لا يسمعه الآخرون، وبكل تأكيد تحس ما لا يحسه كثير من الناس الذين حرموا نعمة الحب، وحرموا متعة التعبير من خلال الحب، كأن في هذه القصيدة ما يؤكد قوة الحب، ومقدار ما يمكن أن يفجره الحب وحده في الإنسان من طاقات، وقوى إيجابية وبناءة، القصيدة مدعاة لتفاؤل، ومدعاة للسعادة، ومدعاة لقوة تبث سحرها في الكائنات جميعها، بل هي دليل على وحدة هذه الكائنات، من بشر، وشجر، وطبيعة، وطيور، وأزاهير، هذه الوحدة التي تتجلى في موقد، ولهيب، ومعترك الحب، وفي حوزة الحب وحده، حيث تنطق العبارة، تتلوها العبارة، يظللها معنى العبارة، وفتنة العبارة، ودهشة العبارة، وسطوة وقوة تلك العبارة فتضيء دروب العاشقين، وتمهد لهم مواكب النور والضوء، فترشدهم إلى السكينة والطمأنينة.
قصيدة «أحلى قمر» اسم على مسمى، تنطق بالحلاوة، وتهجس بالضوء، هي دليل على على (صدق المشاعر والأحاسيس).
هذا الحب، الذي لا يعترف بكل الفروق بين بني البشر، فالحب، هالة سحرية لا تفرق بين الكبير والصغير، والحب إن جاز التعبير - ترياق آدمي- بل هو أيقونة كونية من النقاء.