«بعد ذلك يتضح أمام نظرك وادي المعرفة، وهو واد لا بداية له ولا نهاية، ولا يوجد شخص قط في هذا المقام يشك في طول الطريق، وفيه يختلف كل طريق عن الآخر، وفيه يختلف السالك بالجسد عن السالك بالروح، وفيه تداوم الروح والجسد الترقي والزوال، وذلك عن طريق النقصان والكمال، فلا جرم أن وضح الطريق لكل سالك قدر طاقته، فسلوك كل شخص مرهون بكماله، ويتم قرب كل شخص حسب حاله». في هذا النص الرمزي المكثف يقدم فريد الدين العطار في كتابه «منطق الطير»، نصائحه لمن يسير في درب المعرفة، والمعرفة في الكتاب قوس واسع من التأمل في كل شيء يحيط بنا، وندركه بأبصارنا، أو حتى لا نراه ونحسه ببصيرتنا، ومرة أخرى هي كل شيء نفكر فيه، ونستطيع تحقيقه أو نعجز عنه ونحلم به، وسيلة للارتقاء بالنفس والوجدان، حالة من العشق الدائم والمتواصل، وجدل لا ينتهي بين الجسد والروح، العقل والقلب، النقصان والكمال، الوضوح والغموض، يستند العطار فيه إلى تراث طويل مملوء بمفردات ومصطلحات فلسفية وصوفية، المعرفة لدي العطار معاناة يُضمنها حكاياته وأحياناً ألغازه.
«منطق الطير» حكاية بسيطة، وتيمة متداولة في التراث العربي، تعتمد على إنطاق الحيوان بما يود الكاتب التعبير عنه صراحة أو رمزاً، ولجأ إليها الكثيرون لأسباب عدة، منها السياسي للهروب من الرقابة، ومنها الأدبي الهادف إلى الإمتاعي والجمالي، وتتدرج من «كليلة ودمنة» ذات اللغة السلسة التي يستوعبها الجميع، المحملة بدلالات نقدية لزمن وعصر ابن المقفع، وصولاً إلى لغة إشارية تحتاج إلى القراءة مرة تلو الأخرى مع ثقافة واسعة بمصطلحات التصوف الإسلامي، كما هي الحال في كتاب العطار.
ولنستمتع بهذه الحكاية اللافتة من الكتاب، يقول العطار «جميع طيور الزمان كانت لها قصة مع تلك الفراشة، حيث قالت جميعها للفراشة أيتها الضعيفة إلام تخاطرين بروحك الشريفة؟ ما دمت لا تحققين مع الشمعة أي وصال، فلا تخاطري بروحك جهلاً، ما دام هذا محالاً. ثملت الفراشة بهذا الكلام وانتشت، وأجابت الطير بسرعة، حيث قالت يكفيني، أنا الولهانة على الدوام، أن أصل إلى المعشوق وأدور حوله على الدوام».
مشاق الطريق
تدور القصة في «منطق الطير» حول اجتماع الطيور لاختيار أحدهم ليكون قائداً لهم للوصول إلى زعيمهم الطائر الخرافي «السميرغ»، ويقع الاختيار على الهدهد الذي يحدثهم عن مشاق الطريق وصعوبته، فيقدم كل منها عذراً، وبعد سلسلة من الحكايات تقتنع الطيور، ولكن بعد رحلة طويلة من الطيران ينتابها التعب «من هول الطريق، تأوهت الطيور جميعها، وسالت الدماء من أجنحتها وريشها، فقد رأوا الطريق غير معلوم نهايته، ورأوا الداء وما اتضح لهم دواؤه»، وبعد صورة إمتاعية عن المكابدة التي تعانيها الطيور للوصول إلى الحقيقة يرسم العطار بوجد المحبين اللوحة التالية «بعد ذلك استعد الهدهد للكلام، فاعتلى كرسياً، وعندما ارتقى الهدهد العرش لبس التاج، واصطف أمامه مئة ألف أو يزيد من جماعة الطير في صفوف منتظمة، وتقدم البلبل والقمرية معاً لينشدا بصوتيهما أعذب الألحان. وما أن تغنيا.. حتى ترددت أصداء غنائهما في جميع الأوطان، وكلما وصل صوتهما إلى مسامع أي فرد، تملكته الدهشة وتخلى عن سكونه واستقراره، وسيطرت على كل فرد حالة.. بعد ذلك بدأ الهدهد الكلام، فرفع الحجب عن وجه المعاني». وبعد عدة حكايات أخرى تواصل الطيور رحلتها إلى السميرغ، ولكن عليها أن تجتاز سبعة أودية: وادي الطلب، وادي العشق، وادي المعرفة، وادي الاستغناء، وادي التوحيد، وادي الحيرة، وادي الفقراء والفناء.
ولد فريدالدين محمد العطار في عام 513 ه، على أغلب الأقوال، في نيسابور، وسمي بالعطار نسبة إلى بيع العطارة، وهناك من يقول إن الرجل عمل بتطبيب الناس، وتتلمذ على يد صوفي شهير آخر هو نجم الدين كبرى، وتوفي عام 590 أو 605 ه. تأثر ببيئة ازدهرت فيها علوم الدين في نيسابور والتي ضمت آنذاك الكثير من المدارس الشافعية والحنفية فضلاً عن الكثيرين من أعلام الصوفية مثل إبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي، وبشر الحافي وغيرهم، وأمضى جزءاً كبيراً من حياته في الترحال، حيث زار مصر ومكة ودمشق والكوفة وبلاد الهند، وعن ذلك يقول شعراً: تطلعت إلى عشق محبوب/ فسرت إلى مكة ومصر ودمشق/ وطفت الكوفة والري حتى خراسان/ وعبرت سيحون وجيحون/ واتجهت من الصين إلى ملك الهند وبلاد الترك.
كتب الكثير من المؤلفات لعل أشهرها «منطق الطير» و«تذكرة الأولياء»، تأثر ب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، و«رسالة الطير» لابن سينا، وتأثر به بشدة الصوفي الشهير جلال الدين الرومي، وكُتبت حوله الكثير من الدراسات، واهتم بحياته ومصنفاته العديد من المستشرقين، ومنهم الألمانية آنا ماري شميل.
كتاب «منطق الطير» منظومة شعرية تنتمي إلى فن المثنوي، تُرجمت إلى العربية نثراً، يقول المستشرق الإنجليزي إدوارد براون «إن منطق الطير من أهم مثنويات المتصوفة وأوسعها شهرة»، والكتاب من الأشكال الأدبية المحيرة يبدأ بمقدمة تذوب عشقاً في محبة الله عز وجل «سيظل العقل حائراً في محبته، كما تعض الروح الأنامل مما بها من عجز، فما الروح إلا هائمة في إدراكه»، «إذا كنت أيها القلب طالباً، فكن للطريق سالكاً»، «إن كل ما تقوله وتعرفه نابع منك، فلتعرف نفسك فقط، لأن هذا الأمر أكبر مئة مرة منك، ولتعرف الله بالله لا بنفسك، فالطريق إليه منه لا بعقلك، كما أن وصفه لا يليق بالوصافين». تمتلئ المقدمة بالمكابدة الروحية، مكابدة يقف صاحبها على حافة بحر الحب خوفاً من الغرق «وما أكثر الغرقى في هذا البحر الواسع، وقد عدمنا أي خبر عن أحد منهم». يعقب ذلك حكاية رمزية تؤيد أشواقه، وما يود قوله. ثم يتحدث بتجلة واحترام وحب عن النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ومناقب الخلفاء الراشدين الأربعة، ويخصص فصلاً يرفض فيه التعصب بين أبناء المذاهب المختلفة «يا من وقعت أسير التعصب، وظللت أبداً أسير البغض، إذا كنت تفاخر بالعقل واللب، فكيف تنطق بعد ذلك بالتعصب؟».
كلمات تلامس البصر
يغزل فريدالدين العطار كتابه من كلمات ذات قدرة على ملامسة بصرك، أحياناً يدفعك الأسلوب إلى اللهاث، ثم القراءة مرة أخرى مستمتعاً بوقع المفردات ودلالاتها ومغزاها، تبدأ القصة الأساسية بترحيب المؤلف نفسه بالطيور «مرحباً بك أيها الهدهد، يا من للطريق هادٍ، وفي الحقيقة مرشد كل واد»، «مرحباً بك أيها الصقر الحديد البصر، إلى متى تظل عنيفاً سريع الغضب والقهر؟ لتعقد على قدمك رسالة العشق الأزلية، ولا تفض قيودها، بل لتبق إلى الأبد مطوية».. إلخ. يمتعك العطار مرة أخرى، وهو يقدم أسباب اعتذار الطيور في المرة الأولى للهدهد، لعدم القيام بالرحلة إلى السميرغ، يقول على لسان الببغاء «إن كل قاسي القلب، عديم الإنسانية، أقام لأمثالي قفصاً فولاذياً، فظللت أسيرة هذا السجن الفولاذي أذوب شوقاً إلى ماء الحياة، إنني خضر الطيور، لذا تبدو حلتي خضراء، فمتى أستطيع ارتشاف ماء الحياة؟ لن أستطيع التحليق إلى السميرغ، بل يكفيني رشفة واحدة من ينبوع ماء الحياة». الحب هنا يرادف المعرفة ويرادف الحرية، والأهم أنه يرادف الوجود نفسه، وهي المفردات التي حاورهم فيها الهدهد لكي تصفح الببغاء عن سجانها ولكي تترك البطة البحيرة التي ترتبط حياتها بها، ولكي يتخلى الطاووس عن غروره.. إلخ، لابد أن تمتلئ النفس بالقدرة على الحب، أو تدرك الذات إمكانياتها وجوهرها الأصلي، ومن أجل تحقيق كل ذلك عليها سلوك الطريق إلى السميرغ أو الحقيقة، أو الذات في فطرتها الأصلية التي لم تتشوه أو تتلوث.
تبدأ الأودية المؤدية إلى الحب/ المعرفة/ الحقيقة بوادي الطلب، يقول «عندما تتقدم إلى وادي الطلب، سيعترض طريقك في كل زمن مئة تعب، فهناك مئة بلاء في كل لحظة، وهناك تصبح ببغاء الفلك مجرد ذبابة، وهناك يلزمك الجد والاجتهاد عدة سنوات.. وهناك يلزمك طرح المال جانباً، كما يجب عليك هناك أن تضع الملك جانباً.. بل عليك أن تتقدم متخلياً عن الكل.. وإن لم يبق لك علم بشيء، فواجبك أن يتطهر قلبك من كل شيء»، هنا الطريق فردي وتعترضه المشاق والعقبات.
تتزايد نبرة القلق والمكابدة في وادي الحيرة «عندما يصل الرجل الحيران إلى هذه الأعتاب، يظل في حيرة يضيع منه الطريق.. وإذا قيل له أأنت موجود أم لا؟..أأنت بين الخلق أم خارج عنهم، أم تتخذ منهم جانباً؟ أأنت خفي أم ظاهر؟... أأنت أنت، أم أنك لست أنت؟ فإنه يقول: إنني في الحقيقة لا أعرف كنهي، كما أنني لا أعرف نفسي، إنني عاشق».
«منطق الطير» ملحمة في الحب، وإذا كان في الظاهر يتوجه إلى الحب الأسمى، حب الله عز وجل، فإننا لا ننتهي منه إلّا وهذه المفردة المحيرة المضنية، الحب، تحيط بنا من جميع الجهات، تغرد بها ألسنة الطيور، وتكمن في ما بين السطور والحكايات الغريبة والعجيبة التي يقصها العطار، تساوي الحياة نفسها، ولا طريق إلى الحب إلّا عبر معاناة المعرفة بالذات والتسامح مع الآخرين والخبرة بأبعاد العالم المحيط بكل مكوناته المرئية أو حتى اللامرئية.
«منطق الطير» كتاب مقروء ومبصور يراكم على حكمة الفلسفة الأولى «في باطنك تكمن الحقيقة»، يمتلئ بالصور والأخيلة، يُقرأ على أكثر من مستوى، ويتضمن منظومة من القيم الأخلاقية والروحية، التي استطاع العطار أن ينقلها بصدق وبإحساس يفيض بالحب، ينطبق على «منطق الطير» مقولة «انظر تجد»، تلك التي يتسع مدارها باتساع فضاء الحب نفسه.