وهران: غيث خوري

شهد ثاني أيام مهرجان المسرح العربي، انطلاق العروض المشاركة في مسابقة المهرجان، حيث استضاف المسرح الجهوي «عبدالقادر علولة» في وهران العرض المسرحي الجزائري «الثلث الخالي»، من تأليف محمد شواط، وإخراج تونس آيت علي، وتمثيل حورية بهلول، آمال دلهوم، وريمة عطال، تأليف موسيقي، حسين سماتي، كوروغرافيا، توفيق قارة، سينوغرافيا، خواثرة شوقي، هندسة ضوئية فاروق رضاونة، مساعد المخرجة، فارس بوسعدة، كلمات وأداء، راب عمر راشدي، تقني صوت، مصطفى عمران، تقني ضوء، عبدالوهاب رضاونة، تقني خشبة، غبريد الهادي، ريجيسير، ساعد كرميش، البرمجة والتوزيع والعلاقات الخارجية، خضر خليل عون، تصميم الملصقات والمطويات الإشهارية، راشدي عمر، السائق، سليمان تامهاشت وبن مهني الميلود.
يطرح العمل قصة ثلاث نسوة في مقتبل العمر يلتقين صدفة، منهن المتزوجة التي عاشت مرارة الحياة الزوجية، والعاشقة التي ما زالت تبحث عن الحبيب المختفي، والمتمردة التي تريد أن تصنع لحياتها عالماً مثالياً من دون رجل، يجتمعن في محاكمة افتراضية ليطرحن قضاياهن، ويدافعن عن وجهات نظرهن التي توصلوا إليها من خلال تجاربهن الحياتية.
يطرح العمل بصورة رئيسية قضايا المرأة الجزائرية خصوصاً والعربية عموماً، محاولاً الاقتراب من عمق القضية والنبش فيها، وإظهار الجوهر الرئيسي لوجودها واستمراريتها، لتكون هموم المرأة مركز المعالجة والطرح، وذلك من خلال محاكمة افتراضية أفصحت عن تراكمات البنية النفسية للمرأة، في ظل مجتمع يصر على إقصاء كيانها عمداً، فتتحدث عن قضية اختلال العيش المجتمعي، وعدم توازنه بسبب الفوارق الواضحة والسيطرة الذكورية والمعاملة الجندرية المتجذرة، ليس فقط في المجتمع، إنما أيضاً في تفكير المرأة ذاتها التي اكتسبتها من خلال التلقين المستمر.
تظهر الفوارق بين النساء الثلاث، الأولى ملّت الحياة الزوجية والعمل الروتيني والواجبات المتراكمة والمفروضة عليها بشكل يومي، والتي دأبت على عملها حتى تبقى صورتها ضمن المجتمع، وضمن أعماقها تلك المرأة المثالية، أما الثانية فهي عاشقة بسذاجة، تريد أن تتزوج وتعيش تلك الحالة الرومانسية الخالصة، والتي أفقدتها قدرتها على التفكير والتحليل المنطقي وأصبحت فكرة الزواج تملك كيانها بالكامل، والثالثة التي جمدت عواطفها ومشاعرها واتخذت قرارها بالمضي قدماً لتحقيق ذاتها، من دون أن تسمح لأي ذرة مشاعر أن تؤثر عليها وتجعلها تحيد عن طريقها.
وشهد الملتقى الفكري للمهرجان الندوة المحكمة للمسابقة العربية للبحث العلمي المسرحي، والتي أعلنت عنها الهيئة العربية للمسرح، حيث يتم اختيار أفضل ثلاثة أبحاث في المسابقة العربية للبحث العلمي المعرفي، المخصصة للباحثين الشباب تحت سن 35 عاماً.
قُدم لهذه المسابقة 24 بحثاً تم تحكيمها من قبل لجنة مختصة، تشتمل على كوكبة من الباحثين المسرحيين هم: د.كريم مبارك، د.سامح مهران، د.محمد المديوني، د. مصطفى الرمضاني، الذين حضروا الندوة لإبداء ملاحظاتهم على البحوث المترشحة، وأدار الندوة الباحثة والناقدة د. جميلة الزقاي.
كانت البحوث المترشحة هي: «المسرح والحداثة المفقودة- محاولة في التركيب» لأمل بنويس من المغرب، والتي لفتت إلى أن الخروج من عصر التنظير الذي وسم المسرح المغربي خلال القرن المنصرم إلى واقع الممارسة الفعلية، يفضي بالضرورة إلى التحرر من القوقعة والانفلات إلى الآفاق الكونية. وهو افتراض لا يتعزز إلّا من خلال قناعة بأن الإبداع لا ينمو في التربة المحلية، وإنما من خلال ما سماه دولوز بالمغادرة الموطنية، بمعنى الانقلاع من التربة المحلية، والانغراس في تربة أخرى.
أما البحث الثاني فحمل عنوان «المسرح الجديد: من تحلل نظرية الدراما إلى تشكل جماليات ما بعد الدراما» لعبد المجيد أهري من المغرب، وتناول نظرية الدراما وتحولاتها الجمالية في أفق الألفية الثالثة، بعد نهاية الأسئلة الدارماتورجية التقليدية، و الاتجاه نحو البحث عن درامتورجية بديلة وجديدة.
حيث إن الجدلية بين ما هو قديم يتحلل، وما هو جديد يتشكل، ويتطلع للولادة، أسهم إلى حد كبير في تغيير أسس صناعة الفرجة المسرحية وآلياتها، يحاول البحث رصد تحلل نظرية الدراما وإعادة تشكلها من جديد من خلال جماليات العرض.
وحمل ثالث البحوث عنوان «المسرح العربي.. من الإقصاء الشمولي للآخر إلى فضاء الهجنة» لعادل قريب من المغرب، وقد ناقش البحث بصورة أساسية ثنائية الأنا والآخر التي اعتبرت محوراً رئيسياً في جل الأبحاث والدراسات المسرحية العربية، والتي تكاد معظمها، تتفق حول مسألة جوهرية مضمونها أن مسرحنا العربي بالرغم من الإنجازات المهمة التي حققها حتى اليوم، سواء على مستوى الممارسة المسرحية أو التنظير، إلّا أنه ما زال يبحث عن كينونته وماهيته.
فالمسرح العربي لم يحقق بعد، ما هو مرجو منه، مقارنة بباقي التجارب المسرحية العالمية، إن صحت هذه المقارنة، وإن التأمل البسيط في خريطة المسرح العربي يجعل الباحث يقف عند حقيقة مهمة تتجلى في أن معظم إنتاجاتنا المسرحية، لا تعدو أن تتجاوز الاقتباس، أو الإعداد، أو الاستنبات، سواء في الكتابة أو الإخراج أو طرائق الأداء، بل الأمر يتعدى ذلك إلى الخطابات النقدية المواكبة لتلك الإنتاجات، وكل ذلك يفتح إمكانية لطرح السؤال حول قيمة الآخر في منجزنا المسرحي. هل الأنا المسرحية العربية في حاجة إلى الانفتاح على الآخر أم تكتفي بذاتها؟ وهل نستكين إلى ما يروج له العديد من المسرحيين العرب القائلين بالنبش في تراثنا العربي، ومن ثم التأسيس لممارسة مسرحية ذات جذور عربية صرفة، أم يبقى التلاقح والانفتاح ضرورين؟ ثم من هو الآخر الذي تتوجب المثقافة معه؟! وبعد تقييم اللجنة المحكمة للبحوث، تم اختيار بحث «المسرح الجديد.. من تحلل نظرية الدراما إلى تشكل جماليات ما بعد الدراما» لعبدالمجيد أهري، في المركز الأول، و«المسرح العربي: من الإقصاء الشمولي للآخر إلى فضاء الهجنة» لعادل قريب في المركز الثاني، و«المسرح والحداثة المفقودة - محاولة في التركيب» لأمل بنويس في المركز الثالث.