إعداد: قرشي عبدون
ربما لأنها وجهة من الوجهات الأكثر جذباً في المنطقة كان عالم الآثار والضابط العسكري والدبلوماسي والكاتب البريطاني، لورنس العرب «توماس إدوارد لورنس» شديد الاهتمام بالأردن، هذه المملكة العربية القديمة هي أرض مضيافة ومحملة بالمشاهد البطولية والملحمية والآثار العظيمة؛ حيث تبلغ مساحتها 89.297 كلم مربعاً، وعدد سكانها يقارب 6 ملايين نسمة، ولديها ثمان محافظات رئيسية، هي: البلقاء، الكرك، المفرق، عمان، الطفيلة، الزرقاء، إربد، ومعان.
عندما يسافر السياح والرحالة إلى الأردن يكون تاريخها حاضراً في الأذهان؛ وذلك لأسباب معلومة من بينها: الأردن غارقة في قصص الماضي البعيد، وهناك آثار وشواهد تثبت ذلك، كما أن هناك أيضاً «المدينة المفقودة» البتراء التي يناهز عمرها نحو الألفي عام، نحتت من الصخور الوردية من قبل النبطيين؛ حيث تأخذ السياح من بقايا آثار الحصن العتيقة عند الأزرق إلى الصحارى الرائعة في وادي رم. فضلاً عن مواقع توراتية مهمة كثيرة؛ إذ يمكن للسياح تجريب السير على طول «طرق الحجيج المذكورة في العهد القديم ورؤية أرض الميعاد التي كشفت لموسى وزيارة بيت عنيا في الأردن؛ حيث كان يوحنا يعمد يسوع».
فعندما تصيب المواقع التاريخية في كل مكان في الأردن السياح بالذهول، فإنهم يستعيدون وعيهم بالاغتسال في مياه البحر الميت، كما يستطيعون الغوص وسط الشعاب المرجانية في البحر الأحمر أو البقاء في الصحراء مع البدو أصحاب الكرم، الذين يقدمون للسياح والمسافرين لمحة عن حياتهم التقليدية.

الكرم الأردني

رغم تاريخها وجمالها الطبيعي تتطلع الأردن دوماً إلى الأمام، إنها مستقرة اقتصادياً وسياسياً إلى حد كبير، أما العاصمة عمان فمملوءة بالفنادق الراقية الجديدة والمطاعم وأماكن الاسترخاء، فلم تعد مجرد محطة ينطلق منها السياح في أنحاء البلاد لاستكشاف المواقع الآثارية، بل أصبحت وجهة سياحية في حد ذاتها.
أينما ذهب المرء يسمع كلمات الترحيب الصادقة، وغالباً ما تتم دعوته من قبل الناس للدخول إلى المحال التجارية أو المنازل لاحتساء كوب من الشاي الحلو، وتجاذب أطراف الحديث. في أماكن أخرى يمكن أن يكون هذا الترحيب من أجل بيع السياح بعض السجاد المصنوع من الجلد، لكن الأردن دائماً تفتح ذراعيها لاحتضان السياح من كل حدب وصوب، وكما يقول أهل الأردن «أهلاً وسهلاً» الدار دارك.

التاريخ واللغة والثقافة

لقد استقر الصيادون الأوائل في الأردن منذ العصور القديمة، وقاموا ببناء القرى وترويض الحيوانات، ومن ثم توسعت أماكن استيطانهم خلال العصر البرونزي، أي حوالي 30001200 قبل الميلاد، فالأردن يمثل في سجل العهد القديم مدينتي سدوم وعمورة ويعتقد بأنهما كانتا تقعان على الجانب الأردني من البحر الميت.
بينما خلال العصر الحديدي 1200332 قبل الميلاد، دخلت الأردن في صراعات كثيرة؛ حيث انتهى بها المطاف تحت السيطرة اليونانية. ففي هذه الفترة، استقرت إحدى القبائل العربية المعروفة باسم الأنباط الذين سموا عاصمتهم بالبتراء، وأصبحوا أثرياء بشكل خرافي من خلال السيطرة على التجارة المربحة باللبان والتوابل بين المملكة وأوروبا.
واستولى الرومان على مملكة الأنباط في عام 106 ميلادية، وقاموا ببناء طرق جديدة عبر الأردن، وعملوا على تجميل المدن وتحصين الحدود الصحراوية. وبحلول القرن الرابع كان الأمن الروماني قد بدأ في الانهيار، وفي العهد المسيحي تحولت الأردن إلى مركز لفن الفسيفساء.

وصلت الجيوش الإسلامية المنطقة عام 636 ميلادية، وقد ازدهرت الأردن في ظل الحكم الأموي خلال 661750، الذي حكم من دمشق، لكن عندما انتقلت السلطة من الشرق إلى الخلافة العباسية في بغداد، طال الأردن الإهمال، كما أن الجيوش الأوروبية احتلتها لفترة وجيزة في القرن الثاني عشر، لكنها تخلفت في ظل الحكم العثماني.
وبعد المذابح التي ارتكبت ضدهم في روسيا في عام 1870، استقر اللاجئون الشركس في الأردن؛ حيث أعادوا تأسيس عمان، ونهضوا بها وبتاريخها الحديث، بعد أن كانت مهجورة إلى حد كبير، فالأردن نالت استقلالها بعد حكم الأتراك العثمانيين خلال الثورة العربية الكبرى 19161917، بوصفها أول إمارة تسيطر عليها القوات البريطانية في عام 1923 في ظل الملك المؤسس عبد الله الأول - أحد ملوك الأسرة الهاشمية بمكة ثم في عام 1946 كمملكة مستقلة كاملة. ومنذ ذلك الحين استقبل الأردن عدداً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين والسوريين، الذين يشكلون طابعها القومي.

خليج العقبة

يحتل خليج العقبة مكانة متميزة على خريطة الأردن السياحية، فضلاً عن أهميته الاقتصادية، كونه المنفذ البحري الوحيد الذي يربط الأردن بالعالم عبر البحر الأحمر، إلى جانب اعتباره نقطة انطلاق هامة لزوار الأردن القادمين إليه عبر البحر لاستكشاف المعالم التاريخية والأثرية في مناطق الأردن الجنوبية كالبتراء ووادي رم ومحمية ضانا وغيرها من المواقع؛ حيث يتيح قرب المناطق وقصر المسافات بين العقبة وتلك الأماكن للزائر قضاء وقت أطول وأروع عند زيارته لها؛ حيث لا تستغرق الرحلة من العقبة إلى البتراء أو وادي رم أكثر من ساعة.

المدينة الوردية

مدينة الأنباط، أثمن كنوز الأردن، وأجمل مواقعها السياحية، وإحدى عجائب الدنيا السبعة، فكل هذه الأسماء والألقاب التي أطلقت عليها رغم عمق معانيها لا تساوي حالة الإعجاب والانبهار التي يشعر بها من تكتحل عيناه بمنظرها الساحر الذي يأسر اللب ويثير الدهشة عند رؤيتها والوقوف أمام عظمة هذا الإنجاز الحضاري الباهر. إنها البتراء التي نحتها العرب الأنباط في الصخر، وجعلوا منها موقعاً استراتيجياً هاماً، شكل صلة وصل ونقطة تلاق بين شبه الجزيرة العربية جنوباً وبلاد الشام شمالاً إلى قلب أوروبا وحتى الصين على طريق تجارة الحرير والتوابل.

البحر الميت

في أكثر بقعة منخفضة من العالم تحت سطح البحر، يقع وادي الأردن، الذي يتوسطه البحر الميت بمقدار 400م، مشكلاً مشهداً طبيعياً لا مثيل له، وعلى حافة الوادي تأخذ الأرض بالارتفاع غرباً مكونة سلسلة مرتفعات جبلية من أبرزها مرتفعات القدس وشرقاً تقع مرتفعات البلقاء وهضاب السلط.
ما بين السلسلتين الجبليتين عند وادي الأردن من الشمال إلى الجنوب يخترقه نهر الأردن هذا النهر المقدس الذي ينشر الخصب والحياة والجمال بما يمتاز به من مناخ دافئ في فصل الشتاء، ويعد سلة غذاء للأردن، وقد شهد حقبة حضارات، وقامت مدن شهيرة عبر التاريخ ورد ذكرها في الكتاب المقدس كسدوم وعامورة وادما وزوار وغيرها من المدن.
لا يوجد في العالم كله سطح مائي يشبه البحر الميت من حيث انخفاضه عن سطح البحر ومياهه الشديدة الملوحة، رغم أنها تتغذى على مياه نهر الأردن العذبة. وإذا كانت تسمية هذا البحر بالميت لتعذر وجود الكائنات الحية فيه فإنه بحر حي وغني بالأملاح والمعادن، التي تشكل ثروة هائلة يمكن الاستفادة منها في مجالات متعددة سواء في الصناعة أو الطب والعلاج؛ حيث تعد مياه البحر الميت الغنية بالأملاح والطين المستخرج منه علاجاً ناجحاً لأمراض جلدية عدة، إلى جانب سهولة السباحة فيه؛ نظراً لارتفاع نسبة الملوحة في مياهه؛ حيث لا يحتاج الإنسان إلى إلمام بفنون السباحة؛ إذ يستطيع المرء أن يستلقي على ظهره، ويترك مياه البحر الميت تحمله دون عناء.

هل تعلم؟

* الزهرة الوطنية في الأردن هي الوردة السوداء النادرة والمهددة بالانقراض، التي تزهر في وادي رم في فصل الربيع.
* يقتضي كرم الضيافة الأردنية بأن يقدم المضيف أي شيء من محتويات المنزل إذا أعجب به الضيف، لذا تجنب المديح والإعجاب الزائد بالأشياء إذا كنت في منزل أحدهم.

أفضل وقت للزيارة

الأردن وجهة سياحية على مدار السنة، فحتى في أوج فصل الصيف من يونيو/‏‏حزيران إلى أغسطس/‏‏أب، لا تكون عمان ومعظم المناطق في أنحاء البلاد شديدة الحرارة؛ وذلك بسبب مناخه المعتدل، فمثلاً عمان تقع على ارتفاع 850 قدم 2800 متر تقريباً فوق مستوى سطح البحر. وبالمثل، تتمتع البتراء بموقع مرتفع تصل 1100 متر فوق مستوى سطح البحر، فرغم درجات الحرارة المرتفعة في أيام الصيف، إلا أن ليالها تكون باردة نوعاً ما في أغلب الأحيان. وكذلك يجب لبس أحذية لائقة عند الذهاب إلى البتراء لأن الطريقة الوحيدة للدخول بين الأنقاض والخروج منها هو من خلال المشي فوق الأرض الحجرية أيضاً ينصح السياح بحمل أغطية دافئة لفترة المساء، حتى في فصل الصيف. أما في فصل الشتاء تكون البتراء باردة للغاية، مع هطول الأمطار وحتى الثلوج.
وادي الأردن وساحل البحر الأحمر حول العقبة دافئة في الشتاء، لكنه يعد حاراً جداً في الصيف، وفي الصحراء الشرقية فقط يكون فصل الشتاء بارداً وجافاً بينما فصل الصيف يكون حاراً بشكل كبير. فبعض المناطق المرتفعة، مثل عجلون، دانا والبتراء، تتساقط فيها الثلوج في فصل الشتاء. أما الأمطار فتهطل في العديد من المناطق في جميع أنحاء البلاد بين شهري أكتوبر ومارس.