ولد الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي في عام 100 ه، في عُمان، ورحل صغيرا إلى البصرة، ولذلك يكنى أحيانا بالبصري وتتلمذ على أيوب السختياني وأبي عمرو بن العلاء، عرف بزهده وهناك حكايات كثيرة تؤكد تلك النزعة لدى الخليل، وتدينه، بل تروى قصة شهيرة عن أسباب وضعه لعلم العروض، فعندما تزايد خروج الشعراء عن المألوف من الأوزان، في القرن الثاني الهجري، طاف بالكعبة ودعا الله أن يلهمه علماً لم يسبقه إليه أحد من السابقين، ثم اعتزل الناس وأخذ يقضي الساعات والأيام في قراءة أشعار العرب وتأمل أنغامها حتى حصر كل الأوزان الشعرية وضبطها. وهناك قصة تروى أيضا في هذا الجانب، ومؤداها أنه استوحي الصوت المنتظم لدقات المطارق في أحد الأسواق في وضع خمسة عشر بحرا يقوم عليها النظم حتى الآن، منها كما هو معروف: الوافر والكامل والرمل والخفيف..الخ. وعندما أخطأ الكثيرون في قراءة القرآن الكريم أكمل الفراهيدي عمل أبي الأسود الدؤلي، واضع النقاط على الحروف العربية، فابتكر الفتحة والضمة والكسرة.
دأب متواصل
توفي الخليل في عام 170 أو 175، ويروى أيضا أنه توفي وهو يفكر في طريقة تبسط علم الحساب للناس، بعد أن رأي أحد التجار يخدع امرأة فقيرة ويغشها في الحساب، حيث كان شاردا وهو ذاهب إلى الصلاة، متأملا في أسلوب ل«نظم الحساب» فأصطدم رأسه بأحد أعمدة المسجد، ولم يلبث الدم أن تفجر من رأسه وبعد ساعات معدودة فارق الحياة، ولنا أن نتخيل قواعد حسابية منظومة شعرا من تأليف الفراهيدي.
عندما سئل ابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟، قال: رأيت رجلا عقله أكبر من علمه، وقال عنه الثعالبي: كان يقال أربعة لم يُلحقوا، ولم يُسبقوا: أبو حنيفة في فقهه، والخليل في أدبه، والجاحظ في تأليفه، وأبو تمام في شعره، وقال عنه أبو بكر الزبيدي: «الخليل بن أحمد أوحد عصره، وجهبذ الأمة، وأستاذ أهل الفطنة الذي لم يُر نظيره، ولا عرف في الدنيا عديله». ترك الفراهيدي مؤلفات شديدة الأهمية، لعل أبرزها: كتاب «العين»، كتاب «العروض»، «النقط والشكل»، «الإيقاع»، «النغم»، «الجُمل في النحو». كتب الشعر كذلك، ولكنه لم يبرع فيه، يقول في اقتراب الأجل: وقبلك داوى الطبيب المريض/ فعاش المريض ومات الطبيب. فكن مستعدا لدار الفناء/ فإن الذي هو آت قريب.
يعتبر معجم «العين» أول معاجم اللغة العربية، ويذهب البعض إلى أنه أول معجم لغوي علمي متكامل في التاريخ، ولذلك يوصف الخليل أحيانا ب «مفتاح العلوم»، وهو وصف يتناسب مع مكانة اللغة في العلوم العربية الإسلامية كافة.
يقسم الفراهيدي المعجم وفق الأصوات وقرب خروجها من الحلق كما سبقت الإشارة، لذلك فالمعجم مرتب كالتالي: باب العين، باب الحاء، باب الهاء.. الخ، ويذهب الفراهيدي في «العين» إلى «أن العرب تشتَقُ في كثير من كلامها أبنية المضعف في بناء الثلاثي المثقل بحرف التضعيف»، وتشعر معه بأنه يقوم بإحصاء العربية، إحصاء يعتمد على التنقل من الثنائي إلى الثلاثي فالرباعي فالخماسي، يقول: «كلاَم العرب مبني على أربعةِ أصناف: على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي»، وليس بعد الخماسي شيء، وعلى هذا الأساس يقوم بناء «العين»، يقول: «ليس بعد الخماسي باب»، لأنه «ليس للعرب بناء في الأسماء والأفعال أكثر من خمسةِ أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف في فِعل أو اسم، فاعلم أنها زائدة على البناء، نحو قرعبلانة، أنما هو قَرعبل، ومثل عنكبوت، إنما هو: عنكب»، وطريقته في ترتيب الكلام في داخل الباب الواحد، مثلا باب العين، أن يأخذ من الثنائي مثلا «عق» فيترجم لها، ثم يترجم لمقلوبها «قع» قبل أن ينتقل إلى الكلمة التي تلي عق وهي عك. وإذا وصل إلى باب الثلاثي الصحيح كانت المادة الأولى عنده هي المؤلفة من العين والهاء والقاف، ولم يستعمل من وجوه هذه المادة إلا عهق وهقع، وترك الأوجه الأخرى، فإذا انتهى من الكلمة وتقليباتها، انتقل إلى الكلمة التي تليها وهي المؤلفة من العين والهاء والكاف: عهك، وهكذا إلى أن ينتهي من الكلمات التي تبدأ بحرف العين مع ما يعقبها من الحروف، ثم يبدأ بابا جديدا.
وتستمع إلى صوت الشاعر- العالم - اللغوي المرهف في ذكره لسبب آخر لبدء معجمه بحرف العين: لم أبدأ بالهمزة: لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء كلمة لا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني، يقصد وفق قواعد النطق وعلاقته بالحلق والشفتين، وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف.
آفاق بلا حدود
يقول الفراهيدي في مقدمة كتاب «الجمل في النحو»: «هذا كتاب فيه جملَة الإعراب إذ كَان جميع النحو في الرفع والنصب والجر والجزم، وقد ألفنا هَذَا الكتاب وجمعنا فيهِ جمل وجوه الرفع والنصب والجر والجزم، وجمل الألفات واللامات والهاءات والتاءات والواوات وما يجري من اللام ألفات، وبينا كل معنى في بابه باحتجاج من القرآن وشواهد من الشعر، فَمن عرف هذه الْوجوه استغنى عن كثير من كتب النحو».
هو الفراهيدي فقيه اللغة العربية الذي يمتعك بالقول:» النصب أحد وخَمسونَ وجها: نصب من مفعول به ونصب من مصدر ونصب من قطع ونصب من حال ونصب من ظرف ونصب بإن وأَخواتها، ونصب بخبر كان وأخواتها ونصب من التفسير ونصب من التمْييز ونصب بالاستثناء ونصب بالنفيِ، ونصب بحتى وأَخَواتها ونصب بالجواب بالفاء ونصب بالتعجب ونصب فَاعله مفعول ومفعوله فاعل ونصب من نداء نكرة موصوفة ونصب بالإغراء ونصب بالتحذير ونصب من اسْم بمنزلة اسمين، ونصب بخبر ما بال وأخواتها ونصب من مصدر في موضع فعل ونصب بالأمر ونصب بالمدح ونصب بالذم ونصب بالترحم ونصب بالاختصاص ونصب بالصرف ونصب بساء ونعم وبئس وأخواتهَا ونصب من خلاف المضاف.. الخ.
أما الرفع فيقع في واحد وعشرين وجها، والجزم يقع في اثني عشر وجها، ويبهرك بالقول إن حرف الألف يأتي في الكلمة في اثنين وعشرين ألف وجه، وتلهث وراءه وهو يعدد العشرات منها: ألف وصل، وألف قطع، وألف سنخ وهو أصل وألف استفهام وألف استخبار وألف التثنية فِي حال الرفع وَألف الضمير وألف الخروج والترنم وألف تكون عوضا من النون الخفيفة وألف النفس وألف التأنيث وألف التعريف وألف الجيئة وألف الْعطية وألف تكون بدلا من الواو وألف التوبيخ وألف تكون مع اللام وألف الإقحام وألف الإِلحاق بعد الواو وتسمى ألف الوصل وألف التعجب وألف التقرير وألف التحقيق والإيجاب وألف التنبيه».. الخ.
لا يمكن بعد مطالعة إسهامات الفراهيدي في اللغة والنحو والشعر إلا السؤال، كيف يمكن لرجل واحد أن يحاول الإحاطة بأركان وفضاءات اللغة المختلفة؟ كيف يمكن لرجل واحد أن يقوم بجهد عدة مؤسسات متكاملة؟، بكل ما تحمله إجابات السؤالين من نتائج تؤكد في النهاية أن العناية بالعلوم في عصر ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، عند الفراهيدي والعشرات غيره، كانت تنطلق من رؤية تؤسس للأجيال المقبلة، ما يمكث في الأرض وينفع الناس، وكانت مرة ثانية تنطلق من جدية العالم وتفرغه لعمله، وكانت مرة ثالثة تؤشر إلى بيئة ثقافية لم ندرسها كما ينبغي، فعلينا أن نتخيل الفراهيدي وهو يطالع عشرات الكتب ويقرأ عشرات القصائد ويجلس لمناقشة ما يتوصل إليه مع أعلام عصره، ويستمع إلى أهل الصحراء، أهل الفصاحة، يجمع الكلمات ومرادفاتها، ويحلل ويقارن ويصل إلى نتيجة تخص قاعدة ما، ثم يعثر في المقروء أو المسموع على ما ينقضها، فيعاود التفكير مرة أخرى وهكذا، والمسائل اللغوية الإشكالية كثيرة، بكل ما يصاحب ذلك من نظر وتأمل، فإذا أدركنا أن الرجل تعامل مع مئات الآلاف من المفردات، لأدركنا صعوبة أو استحالة المسألة، وما فعله الفراهيدي في اللغة، فعله غيره في التاريخ والجغرافيا..الخ، لقد كان عصر العلم الذي يجب علينا دراسته أكثر من مرة للتعرف إلى مفاتيحه وأسباب ازدهاره.