بحث ابن جني في ماهية اللغة وجذورها وكيف نشأت، والفرق بين القول والكلام وأصول النحو والإعراب، والبناء في آخر الكلمات، السكون أو الحركة.. الخ، بل وناقش مسائل تعلمناها في اللغة كمسلّمات، وربما لا نسأل عن أسبابها أصلا، يقول عن أسباب رفع الفاعل ونصب المفعول: «الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة فرفع الفاعل لقلته ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر في كلامهم ما يستخفون»، والجملة الأخيرة في الاقتباس السابق من كتاب «الخصائص» تعني ما يفصل فيه في مكان آخر من أن العرب يكثرون في كلامهم من النصب لخفته في النطق. لقد حاول ابن جني أن يعقلن كل شيء في اللغة، ولذلك يقول: «اعلم أن علل النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين».
ولد أبو الفتح عثمان ابن جني في الموصل عام 322 ه، ولذلك يكنى أحيانا ب «ابن جني الموصلي»، تلقى علوم اللغة على يد الأخفش في الموصل وكان يحرص على التعرف إلى البدو الذين يفدون إلى المدينة لسماع العربية في أصولها الأولى، وسافر مع أستاذه الثاني أبي علي الفارسي إلى بغداد، وعمل في بلاد البويهيين لدى عضد الدولة وشرف الدولة وبهاء الدولة مؤدبا لأولادهم، وارتحل إلى حلب، وقابل سيف الدولة الحمداني، وتعرف إلى المتنبي ونشأت بينهما صداقة قوية، وهو أول من شرح ديوان المتنبي، وقال عنه هذا الأخير: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وعندما توفي المتنبي رثاه ابن جني بقصيدة مطلعها: «غاض القريض وأودت نضرة الأدب»، توفي ابن جني في عام 392 ه، وترك الكثير من المؤلفات في مختلف علوم اللغة، منها: «الألفاظ المهموزة»، «علل التثنية»، «عقود اللمع»، «عقود الهمز وخواص أمثلة الفعل»..الخ، فضلا عن كتابيه الشهيرين: «الخصائص» و«سر صناعة الإعراب».
فلسفة اللغة
يقع كتاب «الخصائص» في ثلاثة مجلدات، ويعتبره البعض أهم كتاب في اللغة العربية، وفيه يتنقل بك ابن جني بعد تعريفه للغة إلى الإضاءة على تاريخها، وخصائصها ومشتقاتها، ولهجات القبائل، وأصواتها، ويبحث في قضايا عقلية بحتة تدخل عمله في باب «فلسفة اللغة»، حيث يخوض في مسائل من قبيل، هل اللغة توقيف وإلهام أم اصطلاح ومواضعة؟، وهو موضوع اختلف عليه الكثيرون من القدماء، وانقسمت الآراء فيه وفقا للمنطلقات الفكرية والإيديولوجية، ويعتمد في الكتاب على التعليل والقياس والسماع والمقارنات، ويستطرد في شرح المسائل النحوية والصرفية، ويبحث في أسباب اختلاف اللهجات ويربطها بالعوامل الاجتماعية والبيئية، ويرصد الكلمات المعمول بها قياسا على كلمات أخرى، وهناك العديد من الأبواب في الكتاب، منها باب في الأفعال، وباب في التقديم والتأخير، وباب يحلل فيه علاقة الحروف بعضها ببعض، يقول: فمن ذلك استحسانهم لتركيب ما تباعدت مخارجه من الحروف، نحو: الهمزة مع النون، والحاء مع الباء، نحو: آن ونأى وحبَّ وبحّ، واستقباحهم لتركيب ما تقارب من الحروف؛ وذلك نحو: صس وسص«، وهو هنا يذكرك بالفراهيدي.
مع ابن جني تقرأ باستمتاع بالغ، ما يطلق عليه الفرق بين الاشتقاق الأكبر والاشتقاق الأصغر، وهو الأمر نفسه الذي تجده عندما يتحدث عن الإدغام، ولنستمع إليه متحدثا عن جمالية تاء التأنيث التي نلحقها أحيانا بالصفات، يقول تحت عنوان اجتماع المذكر والمؤنث في الصفة المؤنثة: «رجل علَّامة، وامرأة علَّامة، ورجل نسَّابة، وامرأة نسابة، ورجل همزة لمزة، وامرأة همزة لُمَزة.. الهاء في نحو ذلك لم تلحق لتأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هو فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة، سواء كان ذلك الموصوف بتلك الصفة مذكرًا أم مؤنثًا»، وتتعدد في الكتاب أيضا المباحث الصرفية، والرؤى التي يقدمها حول الشعر.
أما كتاب «سر صناعة الإعراب»، ونتيجة لأهميته يطلق عليه أحيانا «سر الصناعة»، فبإمكانك أن تقرأه كعمل موسوعي في النحو أو اللغة وجمالياتها المتعددة، وبإمكانك أن ترى عشق ابن جني للحروف، ومواقعها في الكلمة، وتأثير ذلك على بناء الكلمة وأسلوب نطقها، وما يلحق هذا الأمر من دور أساسي للحرف في عملية الإعراب. يرتب ابن جني حروفه وفقا للمعجم: الهمزة، الباء، التاء، الثاء..الخ. ويبدأ الكتاب بنص إمتاعي عن علاقة الحروف بالصوت، يقول: «أعلم أن الصوت عرض يخرج من النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك؛ ألا ترى أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزا له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأول وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين».
درس ابن جني في هذا الكتاب الحروف المجهورة والمهموسة، الشديدة والرخوة، ويوضح متى يأتي كل حرف أصليًا أو زائداً أو مبدلاً، وأهمية ذلك عند دراستنا للهجات القبائل المختلفة مثل التي يغلب على نطقها البأبأة، والكشكشة، والعنعنة، وغيرها، ودرس الإدغام والإمالة، وقام بتحديد حروف العلة، فمثلا حرف الكاف بعد أن يحدد وصفه، يتطرق إلى أهميته الإعرابية من حيث كونه حرف جر يؤثر في الاسم ويعمل فيه الجر، وحرفًا مثل الواو فهو يأتي عاطفًا ما بعده على ما قبله، ويأتي جارًّا لما بعده أحيانا، وهكذا حيث كان يحدد كنه كل حرف ووظيفته اللغوية والإعرابية مما يضفي على دراسته وتناوله للحروف الهجائية نوعا من التكامل بين اللغة والنحو.
يتحدث ابن جني عن حرف اللام قائلاً: «اللام حرف مجهور يكون أصلًا وبدلًا، وزائدًا. فإذا كان أصلًا؛ وقع فاءً، في بداية الكلمة، وعينًا، في منتصف الكلمة، ولامًا، في نهاية الكلمة؛ فالفاء: نحو لعب ولزم، والعين: نحو قلب وسلم، واللام: نحو شعل وجعل».
وأنت تقرأ ابن جني تشعر أنك أمام أكبر عاشق للحروف، والتي اتخذها كمدخل لإسهاماته اللغوية والنحوية، وحتى في الشعر، حيث ألف كتابا بعنوان «العروض»، لم يبدأه بالأوزان والبحور أو حتى بأبيات شعرية، ولكن الحروف كانت مدخله أيضا لقراءة الشعر، يقول: «اعلم أن شعر العرب مركب من سبب ووتد وفاصلة، فالسبب على ضربين خفيف وثقيل، فالخفيف حرف متحرك بعده حرف ساكن نحو (هل) و(بل) و(قد)، والثقيل حرفان متحركان معا نحو (مع) و(لَك)، والوتد على ضربين مجموع ومفروق، فالمجموع حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن نحو (أجل) و(نعم) و(لقد)، والمفروق حرفان متحركان بينهما حرف ساكن نحو (أين) و(كيف) و(ليس).
فضاء ممتد
وخصص ابن جني كذلك كتابا للهمزة، بعنوان «الألفاظ المهموزة»، يفتتحه بالقول: «الألْفَاظ مَهْمُوزَة كَثِيرَة الِاسْتِعْمَال يحْتَاج الْكَاتِب إِلَيْهَا ويفتقر إِلَى مَعْرفَتهَا نظمناها على سِيَاق حُرُوف المعجم احْتِيَاطًا وتقريبا واجتنبنا مَا كَانَ وحشيا غَرِيبا من ذَلِك»، ثم يسترسل في الحديث عن موقع الهمزة مع حرف الباء مثلا: «برأت من الْمَرَض وبرئت أَيْضا وأبرأت وبارأت شَرِيكي وتبرأت واستبرأت وأبطأت وبطأت بِالْأَمر وتباطأت واستبطأت الرجل وبوأت الرجل منزلا».
كتب ابن جني كذلك الشعر، واختلف الكثيرون حول قيمة شعره، كما يعد من أبرز نقاد الأدب في القرن الرابع الهجري، حيث شرح ديوان المتنبي في كتابين، وله كتاب آخر حول شعر أبي الأسود الدؤلي، أما كتاب «التمّام في تفسير أشعار هذيل»، فيخصصه لنقد مختارات لشعراء قبيلة هذيل، كما ألف كتابين حول شعر الحماسة، وإن كان يميل في كتاباته النقدية إلى الجانب اللغوي والنحوي. عاش ابن جني في عصر نهضة مختلف العلوم، الذي رافقه اضطراب سياسي شهدته الدولة العباسية آنذاك، مع كثرة دخول غير العرب إلى الإسلام، الأمر الذي فرض على العلماء التنظير لقواعد هذه اللغة، لأصولها وتاريخها وقواعدها وفنونها، هذا فضلا عن أنه عصر ترجم فيه العرب الكثير من كتب الفلسفة والمنطق، وما رافق ذلك من جدل فرض نفسه في النقاش حول القضايا الأدبية والفكرية المختلفة، ولعل المناظرة الشهيرة بين أبي بشر متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي حول العلاقة بين اللغة وقواعد المنطق كما نقرأها في «الإمتاع والمؤانسة» للتوحيدي، تؤكد لنا أن محاولة ابن جني في عقلنة كل فضاءات اللغة لم يكن مجرد ترف، بل كان يعبر عن حاجة ثقافية ومجتمعية، وزخم فكري ميز عصر ابن جني.