«الموت بشرف أفضل من حياة يلوثها الغدر»، كانت تلك الجملة الأخيرة التي تطلقها الفتاة اليابانية تشوتشوسان قبل أن تنتحر بطريقة الهاريكاري على المسرح، لتنهي الفصل الأخير من أوبرا «مدام باترفلاي» التي تبدأ عروضها اليوم ولمدة 3 أيام، على مسرح أوبرا دبي، لتقدم فرصة ذهبية لكل محبي الفنون الرفيعة للاستمتاع بهذا العرض العالمي الشهير.
تمثل «مدام باترفلاي» النموذج الكلاسيكي للعاطفة المفرطة والألم الفاجع ونموذج البطلة الهشّة الضعيفة الرقيقة القابلة للكسر، كما وصفها النقاد الإيطاليون بعد عرضها الأول على مسرح لاسكالا عام 1904، وهي التحفة الفنية الأوبرالية للموسيقار الإيطالي الشهير جياكومو بوتشيني.
والطريف أن العرض الأول للأوبرا هاجمه الجمهور وصاحبوا نهايته بصيحات الاستنكار، إذ كان مشهد النهاية مفجعاً وهم يرون بطلة الأوبرا تبقر بطنها منتحرة على الطريقة اليابانية، فتم تخفيف النهاية قليلاً وأعاد «بوتشيني» كتابتها لتتحول إلى واحدة من أروع النهايات الموسيقية في تاريخ الأوبرا، وعاد الجمهور بعد ذلك ليقبل عليها ويحتفي بها لتصبح «مدام بترفلاي» هي الأوبرا الأنجح والأشهر لبوتشيني، والتي استلهمها من قصة قصيرة بنفس الاسم للكاتب الأمريكي جون لوثر لونج.
تدور أحداث القصة في اليابان حيث تعيش الفتاة الفقيرة تشوتشوسان حياة قاسية قبل أن تصبح فتاة «غيشا» وتقع في حب ضابط بحرية أمريكي (كابتن بنكرتون) ويقرر الزواج بها. وتبدأ الأوبرا في منزل الضابط الأمريكي المطل على ميناء ناجازاكي في نهاية القرن التاسع عشر ليلة زفافه على فتاة بلدة نجازاكي الجميلة. يظهر الديكور الياباني من الأثاث والزهور في الزوايا والأركان ويدور حوار غنائي بين «بنكرتون» وصديقه القنصل الأمريكي في ناجازاكي (شاربلس) ويظهر من هذا الحوار التمهيدي ملامح شخصية «بنكرتون» العابث المزهو الفخور الذي يحرص على اغتنام كل فرصة لاقتناص اللذة من دون أن يعبأ بمشاعر الآخرين، ولا ينسى أن يتغنى بسحر وجمال جائزته اليابانية الصغيرة، مشيراً إلى العروس الجميلة التي سيزف إليها من دون أن تبدو عليه مشاعر حقيقية تجاهها، إلا الرغبة في التمتع بجمالها خلال فترة بقائه في اليابان. بينما يبدو صديقه القنصل منزعجاً ومتعاطفاً وهو الخبير بطبيعة الشرقيين العاطفية الحساسة ودأبهم على الإخلاص في الحب والمشاعر الجارفة التي لا يجوز التلاعب بها على هذا النحو.
المشهد التالي يوضح الفارق في المشاعر بين «بنكرتون» وعروسه اليابانية الصغيرة التي لا يمنعها خجلها الشديد من التعبير عن حبها الجارف تجاه عريسها الوسيم، ليدور حوار غنائي بديع الألحان بين العروس الرقيقة والقنصل الأمريكي تعرض عليه فيها ممتلكاتها الصغيرة العزيزة عليها، ومن بينها خنجر تحتفظ به عن والدها، وتخبره في غناء مؤثر يستخدم فيه الموسيقار بوتشيني نغمات مؤثرة حزينة عن حياة الفقر الشديد التي عاشتها مع أسرتها ما دفعها إلى احتراف الموسيقى والغناء والتحول إلى «فتاة غيشا».
ووسط أجواء الزفاف المبهجة والتناقض الواضح في المشاعر بين العريس الأمريكي والعروس اليابانية تتصاعد الموسيقى لتعبر عن انفجار الصراع بين العالمين، حين يقتحم الحفل عم الفتاة الذي يرفض هذا الزواج الذي لا يتناسب مع أعراف وتقاليد الشعب الياباني ويلقي باللعنة على العروسين وينصرف بعد مشهد عاصف يحطم أعصاب العروس الصغيرة ويلقي بها في أتون الصراع.
ويبدأ المشهد التالي بواحد من أجمل المشاهد العاطفية الرومانسية التي أبدع «بوتشيني» في تطريزها بالألحان الملائكية الرقيقة، فيبدأ بالعروس التي تبدو كالفراشة الرقيقة «بترفلاي» وحيدة ومنزوية وباكية ليلة عرسها ولكن «بنكرتون» يبذل جهده للتخفيف عنها وتطييب خاطرها ويمنحها إحساساً زائفاً بدفء مشاعره، وبينما يرخي الليل ستائره وتغفو النجوم في السماء تتصاعد أغاني الحب المتوهج منهما بينما تعزف الأوركسترا واحدة من أبدع الألحان التي تجسد مشاهد الحب. تقول كلمات الأغنية:
«أحبك».. يالها من كلمة ملهمة
لا ينكرها إنسان محب
فالحب هو الكلمة التي نعرف بها الإله
وهي الحياة في أسمى معاني العطاء.
تمر 3 سنوات وتتقلب أحوال مدام بترفلاي وزوجها، فيغادرها الضابط الأمريكي إلى بلاده وتبقى هي في انتظاره بعد أن أنجبت طفلاً جميلاً. وتعاني تشوتشوسان خلال فترة الانتظار الطويلة مضايقات «يامادوري» وهو شخصية يابانية شديدة الثراء يعجب بها ويعرض عليها كثيراً من الهدايا والأموال مقابل أن ترتبط به، ولكنها ترفض خيانة زوجها، وتبقى في الانتظار تطل على الميناء كل يوم وهي تهدهد ابنها الصغير وتعده بأنه سيقابل والده ذات يوم.
تتغير الأحوال حين يأتي القنصل الأمريكي ليخبرها أن «بنكرتون» سيعود، فتطير «مدام بترفلاي» من السعادة وتتألق في الغناء وتتصاعد الموسيقى لتعبر عن حالتها النفسية، بينما تتلعثم الكلمات على لسان القنصل الذي يفشل في إخبارها بأن «بنكرتون» تزوج من أمريكية أخرى ستكون معه على متن السفينة.
تصل الأوبرا إلى ذروة الأحداث حين تصل سفينة «بنكرتون» إلى ميناء ناجازاكي، وتنهار فرحة «مدام بترفلاي» والاستقبال الهائل الذي كانت تعده لزوجها عندما تجده في صحبة زوجته الشقراء. تتصاعد الموسيقى مع الوصول إلى ذروة المأساة وتتجسد عبقرية «بوتشيني» في مشهد الختام لتفسح الموسيقى الغاضبة المتألمة المجال قليلاً لتهويدة ناعمة تهدهد فيها «بترفلاي» طفلها وتعده بأنها ستتركه لوالده وتغني له وتضعه في حنان في مهده، وتمسك الخنجر الذي ورثته عن والدها وتنتحر به لتسقط على الأرض لحظة دخول «بنكرتون» لتموت في ذراعيه، بينما تهدر الأوركسترا بواحد من أجمل الألحان عبر تاريخها. نهاية لا تستجدي دموع المشاهدين بقدر ما تضعهم في طوفان من المشاعر الجياشة والانفعالات الجامحة.
وجبة متكاملة من السحر
جاسبر هوب، المدير التنفيذي لأوبرا دبي، يقول: «أوبرا مدام بترفلاي تقدم للمشاهدين وجبة متكاملة من السحر والفن والموسيقى. إنها قصة كتبت بعناية لتقدم لمحبي الفنون والثقافة تحفة بوتشيني المثيرة للاهتمام والإعجاب لكل من شاهدها».
ويضيف: «تحرص أوبرا دبي، على جلب كل ما هو مميز ويحمل قيماً ومعاني إنسانية ومعارف فنية متنوعة لتعطي جمهورها مزيداً من المتعة. لذا نستضيف على مسرحنا أوبرا (la boheme) العالمية الشهيرة من 9 - 11 مارس آذار الجاري حتى نشبع شغفنا بموسيقي الموسيقار الإيطالي العالمي بوتشيني وفنون دار الأوبرا الوطنية بويلز».
شرف كبير
تعتبر استضافة دار «أوبرا دبي» لعرض «مدام بترفلاي» الذي تقدمه أوبرا ويلز الوطنية لمدة 3 أيام، تجسيداً للتعاون والتبادل الثقافي بين المملكة المتحدة والدولة، ولإعلان 2017 كعام للتعاون الإبداعي بين البلدين برعاية المعهد البريطاني بدبي. ويقول ديفيد باونتن، المدير الفني لأوبرا ويلز: «تقديمنا لعرض (مدام بترفلاي) فرصة للمشاركة في فعاليات الموسم الافتتاحي لأوبرا دبي، وهذا شرف كبير أن نعرض في الإمارة. ونسعد باختيارنا لجلب هذا الإبداع الأوبرالي للموسيقار بوتشيني إلى جمهور جديد ومختلف في الإمارات، وأن ننشر ثقافاتنا لجمهور منطقة الخليج الذي يتمتع بالثراء الثقافي والتنوع والارتقاء الحضاري».