أصدرت دار أثر للنشر والتوزيع كتاب «المراسلات» بين كاواباتا وميشيما، بترجمة معن عاقل، وهذه المراسلات تجري بين اثنين من أعظم كتاب القرن العشرين، على مدى 25 عاماً من عام 1945 إلى 1970، وهي تتيح لنا أن نرى خلف مظاهرها المتناقضة، علاقة رصينة تشكلت بينهما، رغم أن ميشيما كان شاباً، لم يحظ بعد بلقب كاتب، وكان يبلغ من العمر 20 عاماً، وتكشف هذه الرسائل: ما الذي جذب ميشيما نحو كاواباتا؟ ولماذا اختاره معلماً في الفكر وصديقاً في الحياة؟ ولماذا تأهب لعقد صلات لم تحظ بالوقت الكافي لتتوطد.
25 سنة هي فرق السن بين الكاتبين، فقد ولد كاواباتا في الحادي عشر من يونيو/حزيران عام 1899، وفي الشهر السابع من الحمل، أي أنه ولد قبل الأوان، وكان ضعيف البنية، وبعد فترة وجيزة أصبح يتيماً، فقد توفي والده الطبيب بمرض السل عام 1901، ولحقت به الأم في العام التالي، وتولى جده حضانته، وهكذا عرف ذلك الصبي قسوة الاختفاء المبكر لعائلته، حتى أن الناجي الوحيد من هذا الأمر هو جده الذي أصبح أعمى، ولن يلبث أن يموت بدوره في عام 1914.
ويشير «ديان دو مارجري» في تقديمه للمراسلات إلى أن الفتى كاواباتا خاض في سن الخامسة عشرة تجربة حداد أخرى قاسية، وهو ما سيعرفه ميشيما حق المعرفة فيما بعد، على المستوى الوطني، في الحرب وفي الهزيمة، عندئذ سيكون الموت هو العنصر الجوهري في سيرتيهما، المتكرر باستمرار في أعمالهما الأدبية.
كتب كاواباتا عمله الأول «مذكرات في سن السادسة عشرة» عام 1914 ولم تنشر إلا بعد عشرة أعوام من هذا التاريخ، وهي تحكي بأسلوب واقعي علاقته مع جده المريض، وهكذا ينشأ سحر تحدي الموت والذات، لأن المراهق يريد أن يكتب نحو 100 صفحة حول مرض الجد قبل موته، ولن تكفي هذه العلاقات مع الأموات عن الاستحواذ على المؤلف.
وتجد ميشيما في إحدى رسائله يتحدث عن «المرثاة» لكاواباتا والمنشورة عام 1932 التي تلمح إلى لغز العلاقة بين الروح والجسد، لهذا السبب يكتب ميشيما إلى كاواباتا «إن الجمال الراسخ عميقا في قلب الياباني أعطى الليل مكانة جوهرية دائمة تقريبا»، ويكتب كاواباتا عن جده: «عشت سنوات أتأمل وجهه الأعمى، أنظر إليه ما دام لا يستطيع رؤيتي، لقد اكتسبت عادة سبر الوجوه منذ ذلك الحين، اكتسبتها بلا شك من معايشتي لأعمى وحيد».
وإذا كان الحضور الجزئي للجد المحتضر ظل ملازما لكاواباتا، فإن ميشيما أيضاً خضع مبكراً لوصاية جدته المريضة المستبدة ذات الطابع الغريب، وتكون أول قصة يقرأها كاواباتا له هي «الغابة المزهرة» وتروي حكاية رجل عجوز اعتزل كل ما يعرفه، وراح يتأمل الماضي والذاكرة: «لدينا عدد كبير من الأسلاف، ويحدث أحيانا أنهم يعيشون معنا في نوستالجيا جميلة، لكن يحدث أيضاً أن يظلوا على مسافة يصرون على الحفاظ عليها».
في سنة 1945 بدأت المراسلات بين الكاتبين، وكان الشاب «هيراوكا» قد اتخذ اسماً مستعاراً، سيغدو مشهوراً به عالمياً، ويتساءل في رسائله عن نظرية الفن للفن، عن البراعة، أليس الميل نحو البراعة عند الإنسان هو الطموح الأنقى والأقل خداعاً؟ وإذا كان (المعلم) كاواباتا حاسماً في مسار (التلميذ) ميشيما، فإن الثاني هذا لن يكف عن امتداح أعمال كاواباتا، وقد كشف عن ناقد متميز، حين كتب مقدمة رواية «الجميلات النائمات»: «مثل هذا العمل لا يخضع للوضوح والرحابة، بل لتركيز خانق، تحل الكثافة محل الصفاء والنقاء، ونواجه حجرة مغلقة عوضاً عن عالم فسيح ورحب».
في رسالة يزكي فيها كاواباتا لجائزة نوبل يقول ميشيما: «تقرن أعمال السيد كاواباتا الرقة بالحزم، الرشاقة بالوعي العميق للطبيعة الإنسانية، يخفي وضوحها حزناً، بتعذر سبره، إنها حديثة رغم أنها مستوحاة من فلسفة الزهد عند النساك اليابانيين في العصر الوسيط».
ويكتب ميشيما أيضاً في إحدى رسائله: «اليابان الجميلة في داخلي هو نص يوضح بجلاء مذهل ما يشكل نواة عملكم الأدبي، وأعتقد أن هذا الكتيب سيكنس إلى الأبد كل ما أمكن نشره بشأن«بحوث حول كاواباتا»، «ثمة نوع من السحر في طريقة عرضكم لأفكاركم، تسمح لكم حين تتحدثون عن غرور القوة، أو أيضا العدم، أن تفرضوا جوهر هذا المفهوم للعدم في جانبه المضيء والحامل للحياة بعبارة يسهل على الغربيين فهمها».
وفي خطابه أمام الأكاديمية السويدية بمناسبة فوزه بجائزة نوبل يقول كاواباتا: «يبقى تلميذ فرقة الزن (فرقة بوذية تعنى بالوصول إلى الجمال عن طريق التأمل) جالساً لساعات طويلة صامتاً وساكناً وعيناه مغمضتان، وبعدها يدخل في حالة سبات متحرراً من كل إدراكه وفكره، يترك ذاته لتدخل في ميدان التلاشي».
من هنا لم يكن غريباً أن يسير (المعلم) على خطى (التلميذ) فبعد عامين من انتحار ميشيما في عام 1970، بطريقة «المهاراكيري» اليابانية، لقد كان موت ميشيما مدون في حياته، فنتاجه الأدبي يصف كل التنويعات الممكنة التي قد تتخذها غريزة التدمير الذاتي: هلع من الشيخوخة، رغبة ببلوغ أقصى حدود الجمال، ممتزج باللحظة النهائية للحياة، سحر الموت، الرغبة ببلوغه مع كائن محبوب في اللحظة ذاتها.
ورغم رأي كاواباتا السلبي في فكرة الانتحار: «مهما كانت حالة الاغتراب التي يبلغها المرء فإن الانتحار ليس شكلاً للتجلي»، رغم هذا فقد اختار (المعلم) أن ينتحر سراً ومنعزلاً، بعد نحو عامين من انتحار ميشيما، في شقة صغيرة على شاطئ البحر في 16 إبريل/نيسان عام 1972.
ميشيما وكاواباتا.. المعلم على خطى التلميذ نحو الموت
18 مارس 2017 03:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 مارس 03:10 2017
شارك
القاهرة: «الخليج»