مارلين سلوم
إذا فقدت ديزني براءتها، فقدت الأفلام سحرها. وإذا فُقدت البراءة، فأي شيء يعوضها ويجعلها أفلاماً مطواعة سلسة صالحة لكل أفراد العائلة، بل قل لكل الأجيال، تتخطى المسافات والأزمان بلا خوف، تشاهدها وكأنك تطير معها، مرتاحاً سعيداً مستسلماً لجمال الإخراج والإبهار الكامل في التصوير والتقنيات، والأفكار البسيطة والتربوية في آن؟ أي شيء سيعيد إلى ديزني سحرها، إذا فقدت صمام أمانها، وأصابت الجمهور بهاجس الحذر والاحتياط، وصارت ملغومة برسائل «شاذة»؟ هزة أحدثتها شركة ديزني مع إصدارها نسخة جديدة من «الجميلة والوحش»، الفيلم الذي يقبل عليه الجمهور بقوة في الصالات، والمثير للجدل بقوة أيضاً..
«الجميلة والوحش» رواية خرافية قديمة، ولأنها ككل الأساطير تصلح لمختلف الأزمان، قررت شركة ديزني أن تحولها من كرتون إلى فيلم تجسده شخصيات حية، تماشياً مع خطتها الجديدة في تحويل روائعها السينمائية من الفانتازيا الكرتونية إلى أفلام طويلة رومانسية ودرامية. نجحت التجربة مع «ماليفسنت» عام 2014 و«سندريللا» عام 2015، و«كتاب الأدغال» عام 2016. والآمال كانت معلقة كثيراً على «الجميلة والوحش»، لأنه أنجح الروايات التي حولتها شركة ديزني إلى فيلم كرتون عام 1991، ونالت شهرة واسعة، كما نال جائزتي أوسكار لأفضل موسيقى وأفضل أغنية أصلية «الجميلة والوحش». فهل فعلاً خابت الظنون ومنيت ديزني بخسارة؟
الأرقام تمشي باتجاه، وآراء النقاد تمشي باتجاه معاكس. فإقبال الجمهور ومشهد الحشود المنتظرة أمام شباك التذاكر والحجوزات المسبقة والصالات المملوءة على آخرها حتى في حفلات عروض منتصف الليل، تؤكد أن الفيلم مرغوب ومحبوب، لأسباب عدة، بينما عيون النقاد تتوقف عند تفاصيل تعتبرها نقاط ضعف في العمل.
لا شك أن أول أسباب إقبال الجمهور الكثيف على المشاهدة، هي الدعاية الترويجية التي عرفت كيف ومتى تطلقها ديزني، واستطاعت أن تشحن الجمهور وتضعه مبكراً في محطة الانتظار إلى حين موعد قدوم قطار «الجميلة والوحش». «التريلر» أي شريط الفيديو الذي يتضمن مقاطع من الفيلم وأغانيه، نال 127.6 مليون مشاهدة في أول 24 ساعة عرض له على «يوتيوب» (والرقم لا يشمل الصين). ليضرب الرقم القياسي الذي حققه سابقاً فيلم «خمسون ظلال داكنة» 114 مليون مشاهدة، و«حرب النجوم: يقظة القوة» 112 مليون مشاهدة. الفيديو جميل، القصة مشهورة والكل يحبها، والبطلة إيما واتسون لها جمهور كبير من المعجبين، سواء من المراهقين أو الصغار، يحبونها وينتظرون رؤيتها بثوب «بيل» أي الجميلة.
تلك كانت الخطوة الأولى التي عرفت كيف تستغلها ديزني، لتضمن إقبالاً غفيراً على فيلمها، لكنها تعاملت بشيء من الخبث مع الجمهور هذه المرة، فرمت له الطعم وجعلته في حالة تأهب، والكل متحمس، قبل أن تدس السم في العسل. ديزني أخفت حتى اللحظات الأخيرة؛ حيث أدخلت تعديلاً «خطراً» على إحدى الشخصيات، بل روّجت إلى تطابق شبه مكتمل بين الفيلمين الكرتوني والجديد، وبين «بيل» الأولى وتلك التي تجسدها إيما. ومع انطلاق الفيلم، تبين أن العيب الأبرز فيه، تحويل شخصية «لوفو» من رجل عادي إلى «شاذ»، دون أي مبرر تفرضه الأحداث، وبلا أي منطق يدفع بالشركة المنتجة، إلى تحميل فيلمها «البريء» أفكاراً مسمومة تضر بالأطفال والمجتمعات.
في مثل هذه الحالات، تشعر بالرضا لأنك في بلد يملك رقابة، ومقصها يقتطع المشاهد المسيئة، دون أن تحرمك من مشاهدة باقي الفيلم. والاقتطاع لم يسئ لمسار الأحداث، ما يؤكد أن ما فعلته ديزني هو حشو مستغرب، وهي الشركة التي حرصت سابقاً على تعليم الأطفال عبر أفلامها الكرتونية المعاني الجميلة، وكبرت معها أجيال كثيرة. فلماذا تريد زرع مفاهيم خاطئة في الأجيال الجديدة؟ مرفوض طبعاً أن تسعى شركة عالمية كبرى إلى زج شخصية غير سوية في أفلامها، لينشأ عليها الأطفال ويتقبلونها وكأنها أمر طبيعي، وقد يتشبهون بها.
سيناريو النسخة الجديدة من الفيلم كتبه ستيفن شوبسكي وإيفان سبيليوتوبولوس، بدلاً من ليندا وولفرتون التي كتبت سيناريو الفيلم الكرتوني. تفاصيل تمت إضافتها، بعضها إيجابي جداً، مثل أخذ الخريطة السحرية التي قدمها الوحش لبيل، فاستطاعت من خلالها أن تعود إلى باريس؛ حيث ولدت، وتكتشف سبب وفاة والدتها ب«الطاعون». وكذلك بداية الفيلم تقدم لنا الأمير يقيم إحدى حفلاته الصاخبة، والقصر يعج بالضيوف والرقص والعزف، قبل أن تصل الساحرة بشكل امرأة فقيرة، وتقدم له وردة حمراء فيطردها، ومن هذه اللحظة تحل لعنتها عليه ويتحول إلى وحش وكل من يعمل معه في القصر إلى أدوات. وحده انحراف «لوفو» (جوش جاد) صديق «غاستون» (لوك إيفنز) يعتبر إضافة سلبية ونقطة سوداء في صفحة ديزني.
بيل كوندون حرص على الاحتفاظ بالشكل الأصلي للفيلم، من ناحية الإخراج والمَشاهد والأزياء والديكور.. مع فارق، أنه مزج بين الكرتون والواقع، فتجسدت بعض الشخصيات، بينما تحولت أخرى إلى رسوم ناطقة، لتعود في نهاية الفيلم وتتحول إلى أشخاص. براعة كوندون ظهرت في المشاهد الاستعراضية المبهرة، والفيلم في معظمه يعتمد على الأغاني والاستعراض، كما في النسخة الأصلية منه، وهو ما يميزه عن غالبية الأساطير.
إيما واتسون التي عرفت طريقها إلى التمثيل والشهرة من خلال سلسلة «هاري بوتر»، يليق بها دور «بيل»، رغم أنه لا يظهر كل طاقاتها في التمثيل. هي التي تجيد رقص الباليه، والغناء والعزف وعاشقة القراءة، متعددة المواهب ومثقفة، تبدو جميلة في هذا العمل، لكن إمكاناتها أكبر من الإطار الذي حصرها فيه المخرج. أما دان ستيفنز، فهو يمثل دور الوحش بعينيه، ولا يظهر كاملاً إلا في النهاية. طبيعي أن يختار المخرج ممثلاً بعينين زرقاوين فيهما شيء من السحر، لأن شخصية الوحش مكتوبة بهذا الشكل، ومن خلالهما يستطيع التأثير بالجميلة «بيل» كي تتفاعل معه وتتطور العلاقة.
أكثر من ساعتين يطول الفيلم، ولولا اللوحات الاستعراضية، لأصيب المشاهد بالملل، علماً أن النسخة الكرتونية كانت أقصر وأكثر جذباً، وهنا تكمن نقاط الاختلاف بين مخرج وآخر، بين غاري تروسدال ومعه كيرك وايز في الكرتون عام 1991، وبيل كوندون اليوم. الإنتاج ضخم في العملين، والديكور رائع وكذلك الأزياء التي استطاعت أن تحافظ على روح العمل القديم.
«الجميلة والوحش» فيلم تم استغلال براءته لاستغلال براءة الأطفال وتمرير رسائل مرفوضة اجتماعياً وأخلاقياً؛ لذلك تعتبر ديزني قد حققت أرباحاً مادية، لكنها خسرت فيلماً وجمهوراً، وخسرت ثقة أولتها إليها أجيال متعاقبة حول العالم.

فانتازيا.. الأشياء تتحرك

ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها الأشياء وكأنها كائنات حية في أفلام ديزني، ففي فيلم «فانتازيا» عام 1940 والذي نال 7 جوائز عالمية منها جائزتا أوسكار، تتحرك المكانس فتمشي في مشهد استعراضي تاريخي. هذا الفيلم الذي يعتبر من أهم أفلام الكرتون في تاريخ السينما، أخرجه 7 مخرجين، بينما تولت كتابته ورشة من 23 كاتباً يديرهم جو جرانت وديك هيومر، وشارك فيه والت ديزني نفسه (مؤسس شركة ديزني) بمنحه صوته لميكي ماوس. وجاء تقييم السينمائيين للفيلم 7.8 من عشرة.
كذلك في فيلم «السيف العجيب»، المأخوذ عن رواية للكاتب تي إتش وايت، والذي أنتجته ديزني عام 1963 والذي نال جوائز عالمية وتم ترشيحه للأوسكار وأخرجه والفجانج ريذرمان، مشهد رائع للكتب والكراسي والطاولات وكل ما في غرفة الساحر «مرلين» تتحرك وتمشي، ولكنها لا تتكلم.

السحر حتى «هاري بوتر»

من يعود إلى أفلام ديزني الكرتونية الخرافية، يكتشف أن سحرها يمتد ويتسلل إلى أفكار كتّاب معروفين، منهم مثلاً جي كي رولينج التي يبدو أنها استوحت الكثير في كتابتها للسلسلة الشهيرة «هاري بوتر» من قصص ديزني وأفلامها. فحقيبة هيرمايوني تشبه تماماً حقيبة الساحر «مرلين» الصغيرة، والتي رغم حجمها الصغير، إلا أنها تخفي في باطنها كل شيء حتى الطاولات والكراسي والكتب وكل المعدات والأثاث. ناهيك طبعاً عن المكنسة السحرية، والقبعة السحرية القادرة على التحرك وحدها، وغيرها..

أصول وحقوق المرأة

تعود رواية «الجميلة والوحش» الأصلية للكاتبة الفرنسية غابرييل سوزان دي فيلنوف، صدرت عام 1740 وكتبتها عن حقوق المرأة في القرن الثامن عشر، وكانت بيل ابنة ملك وجنية وليست ابنة فلاح. ثم أعادت كتابتها جان ماري لوبرينس دوبومون، وأصدرتها عام 1756 لتلقى رواجاً. القصة صدرت مترجمة بلغات عدة، وتم تحويلها إلى مسلسلات ومسرحيات وأفلام، كان أشهرها النسخة الكرتونية الأولى عام 1991. والنسخة الأخيرة ليست الوحيدة «غير الكرتونية»، ففي عام 2014 صدرت نسخة فرنسية بلجيكية بنفس الاسم، أخرجها وكتب السيناريو لها كريستوف غانز، وشاركته في الكتابة ساندرا فو آن، وأسندت البطولة للنجمين فنسنت كاسيل وليا سيدو. الفيلم نال جائزة «سيزار»، لكنه في تقييم مواقع الأفلام العالمية والنقاد لم يحصل على أكثر من 6.4 على عشرة.

تقييم وأرقام

رغم كل اعتراضات النقاد حول العالم، ورفض بعض الدول عرض فيلم «الجميلة والوحش» في صالاتها، ورغم الضجة التي أثيرت حوله، إلا أن الفيلم استطاع أن يحقق إيرادات عالية تجاوزت 350 مليون دولار حول العالم في الأسبوع الأول من طرحه، وتقول أرقام الموقع الرسمي للفيلم، إنه حقق داخل أمريكا وحدها أكثر من 217 مليوناً حتى الآن. بينما بلغت تكلفته الإنتاجية 160 مليون دولار. ونال في تقييم السينمائيين 7.8 من عشرة، أي أنه تقييم جيد جداً. بينما نال فيلم «كتاب الغابة» 7.5 وهو الحائز على جائزة أوسكار، ونال 7 فقط كل من «ماليفسنت» و«سندريللا». فهل يصل «الجميلة والوحش» إلى الأوسكار العام المقبل رغم كل الأزمات التي يواجهها؟

[email protected]