قوله تعالى في حق موسى في سورة طه: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).
إن كلام الله تعالى لا يماثله كلام، فهو أبلغ من أن يبارى، وأسمى من أن يجارى، هل أمعنا النظر في هذه الآية العظيمة؟: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، أيكون المراد: أحببتك؟ أم: جعلت الناس يحبونك؟ أم: أنزلت القبول لك في الأرض؟
قال ابن عطية رحمه الله :
«... ثم أخبر تعالى موسى أنه ألقى عليه محبة منه.
فقال بعض الناس: أراد محبة آسية امرأة فرعون؛ لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته.
وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاه جمالاً يحبه به كل من رآه.
وقالت فرقة: أعطاه ملاحة العينين..».
وأقول: تدبروا قوله تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، تجدوا أنه استعمل الإلقاء، ونكّر المحبة، وخصصها بكونها منه، فلم يقل: «وأحببتك»، ولا «جعلت الناس يحبونك»، ولا «ألقيت عليك المحبة»؛ وذلك والله أعلم ليشمل كل الصور المتوقعة، وهذا من إعجاز كلام الله.
قال أبو حيان التوحيدي وسمعت ابن سمعون الصوفي يقول: ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)؛ فإن في هاتين الكلمتين ما لا يبلغ كنهه، ولا ينال آخره، ولو أن أرقّ الناس لساناً، وألطفهم بياناً، أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول، لم يستطع، وعاد حسيراً، ونكص بهيراً، وبقي عاجزاً.
ثم قال: اللهم حبب بعضنا إلى بعض، واجمع شملنا إلى رضاك عنا، مع إحسانك إلينا، إنك أهل ذلك، والجواد به.
وجماع الأمر كله ما رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أبي هريرة عن النبي، قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».
«...لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى...»
قال تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاة اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، في هاتين الآيتين الكريمتين أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين للناس أن الصدقة التي تبذل رياء، والتي يتبعها المنّ والأذى لا تثمر شيئًا ولا تبقى، فنقل إليهم هذا المعنى المجرد في صورة حسية متخيلة وجعلهم يتملون هيئة الحجر الصلب المستوي، غطته طبقة خفيفة من التراب، فظنت فيه الخصوبة، فإذا وابل من المطر يصيبه، وبدلًا من أن يهيئه للخصب والنماء كما هي شيمة الأرض، إذا به يتركه صلدًا، وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره، وتخيل فيه الخير والخصوبة.
ثم جاء المعنى المقابل لذهاب الصدقات المتبوعة بالمن والأذى، وهو الإنفاق ابتغاء مرضاة الله، فهنا الوجه الثاني للصورة، إذ إن الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضاة الله هي في هذه المرة كالجنة لا كحفنة من التراب، وإذا كانت حفنة من التراب هناك على وجه صفوان فالجنة هنا فوق ربوة، وهذا هو الوابل مشتركًا بين الحالتين، ولكن في الحالة الأولى يمحو ويمحق، وفي الحالة الثانية يربي ويخصب، في الحالة الأولى يصيب الصفوان فيكشف عن وجه كالح كالأذى، وفي الحالة الثانية يصيب الجنة فيمتزج بالتربة ويخرج أكلًا، ولو أن هذا الوابل لم يصبها، فإن فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزها ويحييها.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة
في رحاب آية
«...وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي...»
24 يونيو 2017 02:40 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 فبراير 15:41 2025
شارك
د. رشاد سالم