أما عن قصة نعيمان وناقة الأعرابي فقد أخرج أبو الشيخ الأصبهاني - عن هشام بن عروة - عن أبيه- قال: أقبل أعرابي على ناقة له، حتى أناخ بباب المسجد، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمزة بن عبدالمطلب جالس في نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم نعيمان. فقالوا لنعيمان: ويحك! إن ناقة الأعرابي ناوية (سمينة) فلو نحرتها فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ولو قد فعلت غرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلنا لحماً. فقال نعيمان: إن فعلت ذلك وأخبرتموه بما صنعت وجد عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: لن نفعل. فقام نعيمان فضرب في لبتها، ثم انطلق، فمرّ بالمقداد بن عمرو، وقد حفر حفرة، وقد استخرج منها طيناً. فقال: يا مقداد غيّبني في هذه الحفرة، وأطبق عليّ شيئاً، ولا تدل عليّ أحداً، فإني قد أحدثت حدثاً.. ففعل. فلما خرج الأعرابي رأى ناقته فصرخ.. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من فعل هذا؟!» قالوا: نعيمان. فقال صلى الله عليه وسلم: «وأين توجه؟!» فتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه حمزة وأصحابه، حتى أتى على المقداد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - للمقداد - «هل رأيت نعيمان؟!» فصمت المقداد.. فقال صلى الله عليه وسلم: «لتخبرني أين هو؟» فقال المقداد: ما لي به علم وأشار بيده إلى مكانه. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه. وقال: «أي عدو نفسه! ما حملك على ما صنعت؟!» فقال: والذي بعثك بالحق لأمرني به حمزة وأصحابه، وقالوا كذا وكذا.. فأرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي من ناقته. وقال: «شأنكم بها» فأكلوها.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر صنيعه ضحك حتى تبدو نواجذه».
بدء الرسالة
من المواقف التي حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم لما انقطع الوحي، يذكر مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم»: عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، وكان لا يكاد يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، وحبب إليه الخلاء، وكان يأتي حراء فيتحنث فيه - والتحنث هو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده بمثل ذلك، حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء، أتاه الملك فقال له: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ». فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني وقال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم»، (سورة العلق الآيات 1-5)، فجئت خديجة فقلت: «زملوني زملوني، فزملوني حتى ذهب عنى الروع، فقلت: يا خديجة مالي والله إني لأخشى علي». فقالت: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق، فذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله، فقالت له خديجة: أخبر ورقة بن نوفل بما رأيت، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورقة بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون فيه جذعاً، وأدرك حين يُخرجك قومك. فقال: «أو مخرجيّ هم»؟!. فقال: نعم والله لا يأتي أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركت يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً، وفتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - حزناً شديداً حتى غدا مراراً.
صوت من السماء
عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أياماً لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة، يريد أن يلقى نفسه منه، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عامداً لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم صعقاً للصوت، ثم رفع رأسه، فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعاً عليه يقول: يا محمد أنت رسول الله حقاً، وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرّ الله عينه وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمى». وفى سيرة ابن هشام قال ابن إسحاق: «ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك، حتى شق ذلك عليه فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ما ودعه وما قلاه، فقال تعالى: «والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى»، (سورة الضحى الآيات 1-3).
ومن طريق إسماعيل مولى آل الزبير قال: «فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وأحزنه، فقال: «لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني»، فجاء جبريل بسورة «والضحى».
وعن أسامة بن زيد رضى الله عنه قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة، فسألته: ما له؟ فقال: «لم يأتني جبريل منذ ثلاث». فإذا جرو - كلب - بين بيوته، فأمر به فقتل، فبدا له جبريل عليه السلام، فهش إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لك لم تأتني؟». فقال: «إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا تصاوير». رواه أحمد.
«ملك يرد عنك»
ومن المواقف التي غضب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الشيخ أبو إسلام في كتابه «40 موقفاً غضب فيها النبي صلى الله عليه وسلم»: «حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان عن ابن عجلان حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إنّ رجلاً شتم أبا بكر رضى الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلمّا أكثر رد عليه أبوبكر بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبوبكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال «يا أبا بكر ثلاث كلهن حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنه لله إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلاّ زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلاّ زاده الله عز وجل بها قلة». (تفسير ابن كثير)
«أحببت أن تأكله»
قال الزبير بن بكار: «كان نعيمان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «ها أهديته لك» فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها أحضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أعط هذا ثمن متاعه» فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم تهده لي؟» فيقول: «إنه والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله» فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه».
مواقف نبوية
«نعيمان» يضحك الرسول.. وانقطاع الوحي يحزنه
11 أغسطس 2017 03:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 فبراير 04:32 2025
شارك
من ظرفاء عصر النبوة: نعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نعيمان مضحاكاً مزّاحاً، وله نوادر عديدة في المزاح مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.. ومنها ما يذكره مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف فرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم»، «عن أم سلمة: أن أبا بكر خرج تاجراً إلى بُصرى (من أرض الشام) ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان، فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر. وكان نعيمان رجلاً مضحاكاً مزّاحاً.. فقال: لأغيظنك.. فذهب إلى أناس. فقال: ابتاعوا مني عربياً فارهاً، وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فادعوني لا تفسدوا على غلامي. فقالوا: «بل نبتاعه منك بعشر قلائص (ناقة فتية شابة) فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها. ثم قال للقوم: دونكم هو هذا.. فجاء القوم. فقالوا: قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر. فقالوا: قد أخبرنا خبرك.. وطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به. فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحاب له، فردوا القلائص وأخذوه. فضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً». (أخرجه أحمد).