لما نزلت آية سورة الأحزاب: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) جعل الناس يهنئون النبي بهذه الآية، وقال أبي بن كعب للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أنزل فيك خيراً إلا خلطنا به معك إلا هذه الآية، فنزلت «وبشر المؤمنين»، في آية سورة التوبة: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين).
سبب النزول
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن بني ««إسرائيل»» قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: يا موسى، سألوك: هل يصلي ربك؟ فقل: نعم، إنما أصلي أنا، وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله - عز وجل - على نبيه صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
يقول بعض المفسرين: لما حدّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث موسى عليه السلام ناسب حينئذ نزول الآية، وأخرج الواحدي في أسباب نزول القرآن عن كعب بن عجرة قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم «قد عرفنا السلام عليك وكيف الصلاة عليك»؟ فنزلت: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
وقالوا: «إن في الآية تكريماً وتشريفاً أبلغ وأتم من تشريف آدم بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة بالصلاة عليه، فتشريف صدر عنه سبحانه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير جواز أن يكون الله عز وجل معهم في ذلك».
ومن جميل ما فطن إليه البعض قولهم: «إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته، فآثره صلى الله عليه وسلم بها من بين الرسل، واختصكم بها من بين الأنام، فقابلوا نعمة الله بالشكر».
أجر عظيم
وشكر النعمة يكون بالامتثال لأمر الله عز وجل والصلاة على نبيه، فإذا أردت أن يصلي الله عليك، فصل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا أردت أن يقبل ربك دعاءك فقدم بين يديه الصلاة على رسول الله، وإذا أردت أن تدركك شفاعة رسول الله، فصل عليه وسلم تسليماً كثيراً، وإذا أردت أن يكفيك الله هم الدنيا والآخرة فاجعل دعاءك لرسول الله همك اليومي، صباح مساء، فهو الذي اختصه الله بالصلاة عليه وأمرنا بالصلاة عليه، صلاة تحصل بها على عشر صلوات من الله، وتكتب لك عشر حسنات وتمحو عنك عشر سيئات، وترفعك عشر درجات، قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات».
ورسول الله لا يحتاج إلى صلاتك وقد صلى الله عليه وسلم وتصلي عليه الملائكة وتسلم، إنما أنت من تحتاج إلى الصلاة عليه، وقد أتاه صلى الله عليه وسلم آت من ربه يخبره بأجر من يصلي عليه، فإذا هو أجر عظيم.
انكشاف الهم
وصلاتك عليه تكشف همك، كما أبلغنا صلى الله عليه وسلم حيث قال: «أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أكثر من الصلاة فكم أجعل من صلاتي لك (أي من صلاتي عليك) قال: (ما شئت) قال: الربع، قال: (ما شئت، وإن زدت فذلك خير لك)، قال: فالثلث، قال: (إن شئت فذلك خير لك)، قال: فالنصف، قال: (إن شئت، وإن زدت فذلك خير لك)، قال: فلسوف أجعل صلاتي لك كلها (أي أحبس وقتي كله بعد أداء الفرائض للصلاة عليك)، قال: (إذن يكشف همك، ويزول غمك، ويغفر الله لك).
وصلاتك على نبيك تسبق دعاءك إلى رب العالمين، وبها تحيي قلبك وتداوم على محبة نبيك وزيادتها وتضاعفها، فالعبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه فسيتضاعف حبه له ويزيد شوقه إليه، ويستولي على جميع قلبه، ولا يؤمن العبد حتى يكون رسول الله أحب إليه من نفسه وولده وكل شيء.
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وذكره، استولت محبته على قلبه، وقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة والتسليم عليه: فقال: (قولوا اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وقال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد).
وعن أبي محمد كعب بن عجرة، رضي الله عنه، قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».