ولد النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً.. فقد مات أبوه وهو حمل في بطن أمه، فحين كانت أمه حاملاً به، خرج أبوه بعد فترة يسيرة من الحمل ليبحث عن لقمة العيش. وذهب في رحلة الصيف إلى الشام، فمرض في الطريق ووافته المنية فمات في طريق العودة.
وكانت آمنة بنت وهب تنتظر زوجها عبدالله لتكتمل سعادتها، ولكن سرعان ما وصل إليها خبر موته، ففاضت دموعها على خديها، ولم تكن تتخيل أن تفقد زوجها بهذه السرعة.
يقول الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: «مات عبدالله بالمدينة المنورة وهو راجع وترك هذه النسمة الطاهرة، وكأن القدر يقول له: لقد انتهت مهمتك في الحياة، وهذا الجنين الطاهر يتولى الله عز وجل بحكمته ورحمته تربيته وتأديبه وإعداده لإخراج البشرية من الظلمات».
مولد النور
وتمر الأيام ويولد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل، وتأخذه حليمة السعدية لترضعه ثم تعود بعد فترة لترده إلى أمه آمنة بنت وهب حيث أخذت آمنة طفلها المبارك واحتضنته وأغدقت عليه حباً وحناناً فهي تشعر أنه خير غلام أنجبته أرض العرب.
في يوم من الأيام أخذته أمه لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار بعد أن استأذنت من جده عبدالمطلب الذي كان لا يطيق فراق حفيده أبداً.. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ السادسة من عمره، وتوجهت آمنة إلى يثرب (المدينة المنورة) ومعها ابنها المبارك وأم أيمن (جارية عبدالمطلب) ولما وصلوا يثرب ورآه أخواله فرحوا به فرحاً شديداً ولم يأذنوا لأمه بالعودة إلا بعد إلحاح شديد.
وفي طريق العودة من يثرب إلى مكة وفي مكان بين مكة والمدينة اسمه الأبواء أحست آمنة بآلام شديدة أوقفتها عن المسير ونظر محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمه فإذا هي في النزع الأخير فنزفت دموعه وهو يرى أمه تموت أمام عينيه.
وماتت أمه بالأبواء ودفنت هناك، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن وبكى وقال لها: «يا أم أيمن أنت أمي بعد أمي».
بكى وأبكى
وجاء في كتاب «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم» لمجدي محمد الشهاوي: «عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزل بنا، ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب ففداه بالأب والأم يقول: يا رسول الله مالك؟ قال: إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: زيارة القبور، فزوروها لتذكيركم زيارتها خيراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكراً» «أخرجه أحمد».
وفي رواية عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى رسماً - قال: وأكثر ظني أنه قال: قبراً - فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبراً، فقلت: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: «إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي». قال: فما رئي باكياً أكثر من يومئذٍ.
مناجاة طويلة
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي تعالى في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت». (أخرجه أبوداود).
وفي حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور، حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس إليه فناجاه طويلاً، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل علينا، فتلقاه عمر رضوان الله عليه وقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله، فقد أبكيتنا وأفزعتنا؟ فأخذ بيد عمر، ثم أقبل علينا فقال: «أفزعكم بكائي؟». قلنا: نعم. فقال: «إن القبر الذي رأيتموني أناجى قبر آمنة بنت وهب، وإني سألت ربي الاستغفار لها فلن يأذن لي، فنزل علي: «ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين»، (سورة التوبة الآية: 113)، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد من الرقة، فذلك الذي أبكاني، ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة. (أخرجه ابن حبان).
آخر من يدخل الجنة
وجاء في كتاب «100ضحكة وابتسامة للنبي صلى الله عليه وسلم» للشيخ أبي إسلام أحمد بن علي، حدثنا أبوبكر بن أبى شيبة، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت عن أنس عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتشفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول أي رب ادنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى فيقول أي رب ادنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها، فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها، فيعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول أي رب ادنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها، فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها، فإذا أدناه منها يسمع أصوات أهل الجنة فيقول أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود فقال ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا مم تضحك؟ قال هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مم تضحك يا رسول الله؟ قال من ضحك رب العالمين حين قال أتستهزئ مني وأنت رب العالمين، فيقول إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر». (صحيح مسلم).
إبليس مغتاظاً
قال العباس بن مرداس السلمي: قال رسول الله «دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأمتي ذنوبها فأجابني أن قد غفرت إلا ذنوبها بينها وبين خلقي، فأعدت الدعاء يومئذٍ فلم أجب بشيء، فلما كان غداة المزدلفة قلت: يا رب إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته وتغفر لهذا الظالم، فأجابني أن قد غفرت، قال: فضحك رسول الله، فقلنا يا رسول الله رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه، قال: ضحكت من عدو الله إبليس، لما سمع بما سمع إذا هو يدعو بالويل والثبور، ويضع التراب على رأسه».