بر الوالدين في الإسلام لا ينتهي بوفاتهما

يرقى إلى مرتبة الجهاد في سبيل الله
02:52 صباحا
قراءة 6 دقائق
محمد حماد

من روائع دين الإسلام أنه أمرك ببر أقرب الناس إليك، أبيك الذي جئت من صلبه وأمك التي خلقت في رحمها، وقد أكد تمجيده للبر حتى صار يعرف به، فالإسلام دين البر، وأعظم البر بر الوالدين الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من جهاد النفل، وقرن الإسلام بين العبودية لله وعدم إشراك ما عداه في العبودية وبين حفظ حق الوالدين والإحسان إليهما، وجعل بر الوالدين على رأس أعظم الأعمال الصالحة، ووضعه في المنزلة الأولى من التوصية على صلة الرحم التي هي من التكاليف الكبرى في الإسلام.
بر الوالدين هو أعلى الدرجات في التكليف بصلة الأرحام، فلا وصل من دون وصل الوالدين، لأن حق الوالدين مقدم على كل الحقوق بعد حق الله، كما أن عقوق الوالدين يأتي بعد الإشراك بالله في عظم الجرم وكبر الذنب، وعطف الله سبحانه وتعالى بر الوالدين على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فقال عز وجل: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)، ونهانا عز وجل عن أن ننهرهما، بل وعن أن يقول الواحد منا لوالديه أو لأحدهما كلمة أف واحدة وأمرنا أن نقول لهما قولا كريما فقال عز من قائل: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما)، وخص ربنا سبحانه وتعالى الأم بتوصية خاصة فقال عز وجل: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين)، وقرن شكره بشكرهما، فقال الله: (أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير).

الأحب إلى الله

والبر على ثلاثة أنواع، بر الوالدين بحسن الطاعة لهما ولين الجناح وبذل المال، وبر الأولاد بحسن التأديب لهم والدلالة على الخير، وبر جميع الناس بطلاقة الوجه وحسن المعاشرة، وأحب الأعمال إلى الله أن نبدأ بالصلاة على وقتها ثم بر الوالدين على وجهه الصحيح، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع كثيرة، فقد بين لنا صلى الله عليه وسلم أن للجنة أبوابا، وأن أوسط أبواب الجنة هو طاعة الوالد، فقال صلى الله عليه وسلم: «الوالد أوسط أبواب الجنة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما».
ويرقى بر الوالدين إلى مرتبة الجهاد في سبيل الله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يخرج من بيته يسعى على والديه، أجره مثل أجر الخارج في سبيل الله، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: «فهل من والديك أحد حي؟»، قال: نعم، بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله؟»، قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»

«ولا بزفرة واحدة»

وبر الوالدين مراتب، وقد ضرب أحد العلماء مثلا، قال: «لو أن الولد أحضر في بيته طعاما مستلذا يشتهيه وأبوه غائب، فأرسل الولد خلف أبيه يدعوه إلى الطعام؛ كان براً شاكراً، ولو أرسل خلفه دابته لكي يأتي الأب عليها، كان في الشكر منه أدخل، ولو ذهب خلفه بنفسه كان في البر أجزل، فإن أمر الغلام بطرح الماء على يديه ليغسل فقد بره وشكره، وإن كان بنفسه طرح الماء على يده ليغسل الأب كان أبر وأشكر، وهكذا».
صحيح أن الولد قد لا يأثم بإهمال هذه الأشياء مثلا، لكن الذي يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وأنت إذ تبر والديك تسعى إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وإلى الدخول من ذلك الباب العظيم من أبواب الجنة وهو باب الوالد، وكذلك كسب بر الأبناء في المستقبل، لأن من بر أباه وأمه بره أبناؤه، ومن أعظم فوائد بر الوالدين: إجابة الدعاء، وكفارة عظيمة للذنوب، والمسلم السائر على هدي نبيه صلى الله عليه وسلم ينبغي عليه أن يسعى في إرضاء والديه، وأن يتحمل المشاق في ذلك.
وفي هذا روى البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد صحيح، عن أبي بردة قال: «سمعت أبي يحدث أن ابن عمر شهد رجلاً يمانياً يطوف بالبيت، يحمل أمه وراء ظهره، يقول: إني لها بعيرها المذلل، إن أذعر ركابها لم أذعر، ثم قال لابن عمر: أتراني جزيتها؟ قال: «لا، ولا بزفرة واحدة»، وفي رواية: «شهد ابن عمر رجلا يمانيا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره»، يقول: «إني لها بعيرها المذلل، إن أذعرت ركابها لم أذعر، الله ربي ذو الجلال الأكبر، حملت أكثر مما حملت، فهل ترى أني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة»، وفي رواية: «لا، ولا بطلقة واحدة، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرا».

أكبر الكبائر

وعقوق الوالدين من الكبائر، بل قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم إنه من أكبر الكبائر، فقد روى البخاري بسنده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قلنا بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور»، يقول الراوي: فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت.
وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم على من يدرك والديه فلا يبرهما، فقال: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما، ثم لم يدخل الجنة»، وكذلك أمن على دعاء جبريل لما قال: «يا محمد من أدرك أحد أبويه فمات فدخل النار فأبعده الله، قال: قل: آمين فقلت: آمين»، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة تحت رجل الوالدة، فقال للصحابي: «الزم رجلها، فثم الجنة»، وقال: «الزمها؛ فإن الجنة تحت أقدامها» يعني: الوالدة.
وأوجب أنواع البر هو ما كان للوالدين في الكبر وقت الاحتياج، فالأب والأم كانا يعطيان الابن وهو ضعيف وهما قويان، ولكن في الكبر أصبحا ضعيفين، والأبناء هم الأقوياء، وأصبح من الواجب على الأبناء رعاية والديهم وبرهما.

بر لا ينتهي

وبر الوالدين كما يكون بحياتهما يكون أيضا بعد مماتهما فقد أتى رجل من بني سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما».
بالاستغفار والدعاء تبر والديك بعد وفاتهما كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك».
وكذلك الصدقة عنهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي توفيت، أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإن لي مخرفاً (فستان) فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها.
إنفاذ الوصية وإحسان التجهيز والكفن والصلاة والدفن والدعاء، والحج عنهما إذا لم يحجا والعمرة عنهما إذا لم يعتمرا، كل ذلك من برك والديك بعد وفاتهما، ومن أعظم ما يقدمه الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، أن يبادروا إلى قضاء ديونهم، ومن البر كذلك صلة أصدقاء الأبوين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد وفاة الأب»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده»، فإذا أردت صلة لأبيك المتوفى فصل أقرباءه أو صل أصحابه وأصدقاءه، زرهم وتفقدهم ولو بهدية، وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لِمَ أتيتك؟ قلت: لا. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده، وإنه كان بين أبي عمر وأبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذلك.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"