كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خُلقاً وحلماً وتسامحاً مع كل الناس، فكان حلمه يسبق تصرفه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، فيعفو ويصفح عن اليهود والمشركين رغم أذاهم طمعاً منه في دخولهم الإسلام، ويسامح أصحابه الكرام على زلاتهم ليزدادوا حباً له، وكيف لا يكون وهو الجامع لمكارم الأخلاق وهو من قال فيه ربنا جلَّ في علاه: «وإنك لعلى خلق عظيم»، (القلم: 4)، وقد تجلّت أدلة التسامح في السنّة النبوية الشريفة بلفظة السماحة أو مشتقاتها كالعفو والمغفرة والصفح والإحسان وكظم الغيظ وغيرها من الألفاظ التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعنى التسامح في أحاديث كثيرة نذكر منها:
عن زياد بن علاقة قال: سمعت جريراً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، ومَنْ لا يَغفِرْ لا يُغفَرْ لَه»، دلّ هذا الحديث بمنطوقه على أنه من لم يكن رحيماً لا يرحمه الله ومن لا يغفر لا يغفر الله له، ودل بعكس مفهومه على أن من كان رحيماً يرحمه الله ومن يَغفر يُغفر له، ونستدل من هذا الحديث على أن مغفرة الله لنا ورحمته بنا ومسامحته لنا على أخطائنا منوطة بمغفرتنا ومسامحتنا لخلقه وعبيده.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصَتْ صَدَقَة مِنْ مالٍ ومَا زادَ اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عِزاً وما توَاضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفعهُ اللهُ»، وقوله: «ومَا زادَ اللهُ عبداً بعفوٍ إلا عِزاً» فيه وجهان: أحدهما ظاهره أن من عُرف بالصفح والعفو ساد وعظُمَ في القلوب وزاد عزّه، والثاني أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزّته هناك، وأرى من خلال ما نشاهده في أحوال حياتنا اليومية أن صاحب النفس السمحة ومن عُرف عنه الصفح والعفو عن المسيئين إليه يكون ذا شأن وعزّ في قلوب من يعرفونه، وبإذن العظيم سيكون له عزٌّ يوم القيامة، فثمرة التسامح عزٌّ في الدنيا والآخرة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إِلَيْهِ شيء مِنْ قِصَاصٍ إِلاَّ أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ».
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غَفَرَ اللهُ لرَجُلٍ كانَ مِنْ قَبلِكُمْ سَهلاً إذا باعَ سهلاً إذا اشترى سَهلاً إذا قضَى سهلاً إذا اقتَضى»، وفي رواية أخرى: «أحبَّ اللهُ عبداً سَمِحاً إذا باعَ وسَمِحاً إذا اشترى وسَمِحاً إذا قَضى وسَمِحاً إذا اقتضى»، قال الطيبي: «إن السهولة والتسامح في التعامل سبب لاستحقاق محبة الله ولكونه أهلاً للرحمة، وفيه فضل المسامحة في الاقتضاء وعدم احتقار شيء من أعمال الخير فلعلها تكون سبباً لمحبة الله تعالى التي هي سبب للسعادة الأبدية».