وردت كلمة «عباد» حوالي مئة مرة في القرآن الكريم، وهي في معظم هذه المرات وصف بها المسلمون المطيعون لله؛ حيث وصفوا بها وأطلقت عليهم أكثر من تسعين مرة؛ منها قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا) [الفرقان: 63]، وقوله سبحانه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: 42]. وقوله: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: 17-18].
ولهذا لا نخطئ إذا قلنا: إن غالب كلمة «عباد» في القرآن الكريم يراد بها المسلمون العابدون لله، وهذه الألف الممدودة «عباد» توحي بالعزة والمنعة والأنفة والرفعة، وكأنها مرفوعة الرأس منصوبة القامة باستمرار؛ ولهذا أطلق عليها بعض الباحثين: ألف العزة، وهذه العزة والأنفة والرفعة نلحظها في حياة العباد المؤمنين المطيعين لله تعالى، فالعباد المؤمنون يعيشون حياتهم في الدنيا بعزة ورفعة واستعلاء، يحاربون الظلم، وينفرون من الذل، قاماتهم عزيزة منتصبة لا يحنونها إلا لله، ورؤوسهم مرتفعة عزيزة لا يخفضونها إلا لله.
ويواجه العبد المؤمن كل قوى الجاهلية بعزة العقيدة واستعلاء الإيمان، وهو مهما جرى له لا يحني هامته إلا لله، ومهما هدد أو أوذي وضيق عليه وعُذب لا يُطأطئ رأسه إلا لله.
وإذا كانت ألف «العباد» ألف العزة، فإن ياء «العبيد» هي ياء الذلة، وإذا كان غالب استعمال «عباد» في القرآن الكريم للمؤمنين، فإن كلمة «عبيد» في القرآن الكريم وردت وصفًا للكفار والعصاة، قال تعالى عن كفر اليهود: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [آل عمران: 181-182].
وعن عذاب الكفار عند الاحتضار يقول الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْملائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [الأنفال: 50-51].
إن التعبير عن الكفار بكلمة «عبيد» وحي بالذلة الملازمة للكفار، فهم أذلاء جبناء ضعفاء مهانون، لا يريدون العزة والرفعة، ولا يشعرون بالكرامة والأنفة، تجدهم أحرص الناس على حياة، وتراهم يذلون أمام المتسلطين الظالمين؛ لأن المهم عندهم هو أن يتكرم عليهم ذلك المتسلط الظالم بالحياة... أي حياة!!
الكفار أذلاء... أذلاء في حياتهم وفي أشخاصهم وفي مواقفهم، ولأن كلمة «عبيد» وردت في القرآن الكريم وصفًا لهؤلاء الكفار الأذلاء فقد جاءت بالياء التي تشير إلى الذلة في حياتهم.
إن الياء هنا هي ياء الذلة الملازمة لهم، بل إن صياغة الكلمة توحي بالذلة؛ لأن الياء جاءت وسط الكلمة منبطحة ملقاة بذلة، وصدق الله العظيم: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: 8].
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة