تواصل العقول.. وصنع المستقبل

04:29 صباحا
قراءة 3 دقائق
محمد خليفة

لم يعد إكسبو الذي يقام كل خمس سنوات في مدينة جديدة، مجرد مكان لعرض سلع ومنتجات الدول المشاركة فيه، بل أضحى مكاناً وملتقى لتبادل وجهات النظر، وطرح الأفكار الجديدة الخلّاقة التي تسهم في إثراء الحضارة المعاصرة.

أحدثت جائحة فيروس كورونا تغييرات عميقة في العالم أجمع، وتسببت بفرض حجر صحي على مليارات البشر في القارات الخمس. وقد اتخذت دولة الإمارات، كغيرها من دول العالم التي طالتها تلك الجائحة، إجراءات احترازية واسعة بهدف الحد من انتشار هذا الفيروس القاتل، ومحاصرته، وتخليص المجتمع منه. وفي إطار تلك الإجراءات الاحترازية، قررت حكومة دولة الإمارات تأجيل معرض «إكسبو دبي 2020»، الذي كان سيفتح أبوابه في العشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، لأن المعرض سيستقطب مئات الآلاف من البشر من داخل الدولة، ومختلف دول العالم، ما قد يزيد من تفشّي المرض. وقد وافق المكتب الدولي للمعارض في 5 إبريل/ نيسان الماضي، على تأجيل موعد «إكسبو دبي» ليبدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وبما يتوافق مع أجندة المعارض التي تعقد كل خمس سنوات.

وهيأت دولة الإمارات، مع نهاية العام الماضي، كل المستلزمات الواجبة لافتتاح المعرض في موعده المحدّد. وفي فبراير/ شباط الماضي، شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، توقيع اتفاقيتين بين «إكسبو 2020 دبي»، ووزارتي الداخلية، والدفاع، بهدف تعزيز التنسيق والتعاون خلال الفترة المقبلة، استعداداً لاستقبال الحدث الأعرق والأكبر من نوعه عالمياً. ودعا سموهما، مجتمع الإمارات بصورة عامة، والجهات الحكومية بصفة خاصة، للاستفادة من هذا الحدث الضخم الذي تستضيفه دولة الإمارات في دبي لمدة ستة أشهر كاملة، كمنصة تخدم صُنع مستقبل دولتنا، والمنطقة، والعالم من حولنا، بحلول وأفكار مبدعة، ليظل إرث هذا الحدث علامة فارقة ليس على مستوى تاريخ المعرض فقط، ولكن أيضاً على صعيد الفائدة التي سيخلّفها وراءه؛ بما سيتضمنه من ابتكارات تعالج أهم التحديات، وتعظّم الفرص التنموية والتطويرية في مختلف القطاعات الحيوية. ومن المتعارف عليه أنه قد تم إنشاء المعارض الدولية في القرن التاسع عشر، لتقديم الاختراعات الصناعية لمختلف الدول. وأول معرض دولي أقيم في لندن سنة 1851 وهو الذي يسمى «إكسبو». وكان كل بلد مشارك تخصص له مساحة خاصة به في الجناح المركزي للمعرض. ومنذ عام 1867، بدأت الدول المشاركة بإنشاء أجنحتها بنفسها، وبأشكال مختلفة، ومع مرور السنين لم يعد إكسبو الذي يقام كل خمس سنوات في مدينة جديدة، مجرد مكان لعرض سلع ومنتجات الدول المشاركة فيه، بل أضحى مكاناً وملتقى لتبادل وجهات النظر، وطرح الأفكار الجديدة الخلّاقة التي تسهم في إثراء الحضارة المعاصرة، حيث يلتقي المفكرون، والمنتجون، والمستثمرون، وصناع القرار، من مختلف بقاع العالم، وتنعقد بينهم اللقاءات التي تنتج شراكات وتحقق إبداعات تستفيد منها البشرية جمعاء. وعلى هذا الأساس يقام «إكسبو دبي» تحت شعار «تواصل العقول.. وصنع المستقبل». فهذا المعرض يشكّل منصة استثنائية تتيح للمجتمع العالمي التعاون معاً، لاكتشاف الحلول المبتكرة والرائدة للمواضيع الفرعية الثلاثة التي تم تحديدها كعوامل رئيسية للتنمية العالمية، وهي: الاستدامة، والتنقل، والفرص. وتشكل الاستدامة معضلة كبيرة أمام تقدم الإنسانية بسبب اتجاه الموارد العالمية نحو الندرة؛ من جراء الإفراط في استثمارها، أو الإفراط في تلويث البيئة المحيطة بنا. ومن هنا تأتي الأفكار الخلاّقة الهادفة إلى إيجاد البدائل الكفيلة بديمومة التقدم والازدهار.

ومن أجل أن تتوافق منشآت المعرض مع مفهوم الاستدامة، فقد تم إنشاء أكثر من 90 مبنى من مبانيه وفق أعلى معايير المباني الخضراء الدولية.

ولا شك في أن الاقتصاد الإماراتي سيشهد نموّاً كبيراً من جراء «إكسبو»، ويقول الخبراء: «إن التأثير الاقتصادي المباشر وغير المباشر لهذا المعرض سيصل إلى نحو 145 مليار درهم». كما سيرفع «إكسبو» قيمة التجارة غير النفطية، خاصة في قطاع الاستثمار في الضيافة والطيران، إلى جانب ما سيتم من تحسينات للبنية التحتية والمواصلات والرفاهية والحداثة، من خلال المشاريع والمبادرات التي ستدعم موقع دبي، والإمارات، على الخريطة العالمية كواجهة سياحية واستثمارية.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"