ليلة الصلاة من أجل الإنسانية

04:09 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. يوسف الحسن

في الليلة الأولى من الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، شاركت (في تسجيل فيديو مع ممثلي أديان ومعتقدات) بصلاة ودعاء ورجاء، وابتهلت مع ملايين البشر، أن يتقبل الله، سبحانه وتعالى، صلواتنا ودعوات الصالحين بأن يزيل، جلّ وعلا، هذا الوباء عن الإنسانية جمعاء، وأن يُعجّل كشف هذه الغمّة عن عباده.

إنها ليلة الصلاة من أجل الإنسانية التي أطلقتها من أبوظبي اللجنة العليا للأخوة الإنسانية، دعوة صادقة مخلصة للجوء إلى الله، وأن يُيسر الإلهام لعلماء كوكب الأرض ومختبراته، ما يفضح أسرار هذه الجائحة، ويُهيّئ لقادة العالم وشعوبه من أمرهم رَشَداً، واتخاذ القرارات التي تعيد الطمأنينة إلى الناس، وتبدد قلقهم وخوفهم.

إنها لحظة استعادة لقيم التعايش والتكافل والتعاون بين البشر جميعاً، وإعادة تصويب الطريق، حيث لا أحد يمكنه النجاة بمفرده، في هذه الظلمة الكثيفة والعزلة القاسية الكئيبة التي غطت مدن العالم، وساحاته ومؤسساته ومنظوماته المعيشية.

في أزمنة الطاعون الأسود، في القرون الوسطى، كانت الكنائس وحدها هي الحاضرة على الساحات العامة في المدن، وكان الكهنة يجوبون الشوارع تضرعاً وصلوات، وانتظاراً لعجائب تزيل هذا الوباء! وبعد قرون عديدة، وخلال أزمة جائحة «كورونا»، لجأت مجموعة من الناس قبل شهرين، إلى أخذ تراب من ضريح القديس «شربل» في لبنان طلباً للشفاء من الفيروس.

مئة عام مرَّت على أكبر جائحة عرفتها البشرية «إنفلونزا العام 1981»، التي أصابت نحو ثلث سكان كوكب الأرض آنذاك، وقتلت أكثر من ثلاثين مليوناً، من بينهم نحو ربع مليون بريطاني، وكان شعار بريطانيا العظمى المنخرطة في الحرب العالمية الأولى هو: «حافظوا على هدوئكم، وواصلوا العمل»، وهو شعار مماثل لشعار رئيس وزرائها الحالي!!.

لقد طمست ظروف الحرب وتداعياتها أخبار هذه الجائحة الخطِرة، ولم تسمح «السياسة» بنشرها، حتى لا تؤثر في الجبهات الداخلية في بلاد منخرطة في الحرب، ولم يعرف الناس بها إلا بعد إصابة ملك إسبانيا وكامل وزرائه بهذا الوباء، الذي أصاب أيضاً الآلاف من الجنود في مختلف الجبهات، ووصل إلى مصر وسوريا الكبرى، وأصاب بعض المدن في الجزيرة العربية كالرياض، ومن ضحاياه الابن البكر لعبدالعزيز آل سعود، وأطلق الناس على هذه الجائحة اسم «سنة الرحمة»، نسبة إلى كثرة عدد ضحاياها.

ومن بين ضحايا تلك الجائحة العقيد السير مارك سايكس، أحد طرفي اتفاقية «سايكس - بيكو» في العام 1916، وقد توفي في غرفة الفندق (Lotti) في فرنسا في فبراير/‏ شباط 1919، ودفن في تابوت من الرصاص، على أمل أن يحفظ هذا الرصاص فيروسات الإنفلونزا التي أسموها «الإسبانية» بشكل ملائم للبحث العلمي.

الحرب والمجاعة والجهل، ضاعفت من انتشار هذه الجائحة.

قلت ليلتها لصديقي راعي إحدى الكنائس في أبوظبي، وقد هاتفني ليسألني عن آيات قرآنية تنزل السكينة وتهوِّن على البشر مصائب الدنيا، وتُفرّج همومهم: «يا صديقي، إن التوق للبقاء على تواصل إنساني هو سِرٌّ من أسرار نجاة البشر منذ بدء الخليقة، وهو الذي مكّنهم من مواجهة تغوّل الطبيعة، وشراسة الوحوش، ودفعهم لبناء قدراتهم المعرفية، وتقوية نظام المناعة لديهم، وفي المحصلة مواصلة عمران الأرض».

نعم، إن البشر مفطورون على الترابط الاجتماعي، والتعارف والتعاون، ويكرهون صقيع العزلة الإجبارية.

عدت إلى يوميات «عام كورونا»، لأكتب تساؤلات تبحث عن أجوبة في الزمن الآتي:

* هل يا ترى، سيرافقنا شبح «كورونا» طويلاً بعد هزيمته؟ وكيف سنعطي للأجيال الشابة معنى حقيقياً للحياة، وللتعايش والشراكة، وللبحث والفكر النقدي، فضلاً عن معنى المصلحة العامة وجوهرها، والمعاني الحقيقية للرحمة والروح الجمعية بمعنى تقديم ال «نحن» على فردية ال«أنا»؟

كيف «سنُربّي» الخيال عند الأطفال، وننميه في عوالم الفلسفة والعلوم والأخلاق الإنسانية؟ وهل سنُحسن اختيار «معلم» الأطفال، ليكون أفضل تربية وعلماً وخبرة من «معلم» تلاميذ مراحل الثانوية العامة؟

كيف سيكون حصادنا الإبداعي الأدبي والفني والعلمي والتكنولوجي في «عام كورونا»، وبخاصة في الشعر والدراما والموسيقى والرواية، وبيئات العمل والتعليم والبيئة وشرايين الغذاء والماء والهواء.. إلخ؟

والحمد لله، خلق الإنسان علّمه البيان، ودعاه إلى التفكر في آلائه، ورؤية آياته في الآفاق، وأعلى من شأن العقل والعلم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"