الشارقة: مها عادل
كثير جداً من الخيال والعبث.. وقليل جداً من العلم و المنطق والمهنية.. هذا هو ما يمكن أن يوصف به تصدى الدراما التلفزيونية خلال رمضان لحالات «فقدان الذاكرة» التي يتم اللجوء إليها في بعض الأحيان ضمن الحبكة الدرامية للمسلسلات كحل سريع وسهل لتغيير الأحداث وتحريكها، فغالباً ما تبدو المعالجة أبعد ما تكون عن الواقع العلمي، ويظهر قدراً كبيراً من التبسيط أو التسطيح في التناول والأداء التمثيلي الباهت الذي قد يصل لحد الاستخفاف بعقلية المشاهد و تشويه معلوماته، الأمر الذي أثار سخرية المشاهدين وامتعاض المتخصصين عبر «السوشيال ميديا».
مسلسل «فرصة تانية» للفنانة ياسمين صيري وأحمد مجدي، ذهب بعيداً في استخدام فقدان الذاكرة كذريعة لتبني سلسلة غير منطقية من الأحداث، بداية من انقلاب سيارة البطلة بحادث مرات عدة لا ينتج عنه سوى كدمة بسيطة بالوجه وخسارة ذاكرتها بنسيان شخص واحد فقط بحياتها، بينما تتذكر الآخرين وتمارس عملها بشكل طبيعي لحلقات طويلة وسط تصديق كامل من كل من يحيط بها لهذا النمط الغريب للمرض والذي تتضامن معها فيه طبيبة نفسية متخصصة، وتتوالى الأحداث بعد ذلك بشكل غير منطقي ليتضح في النهاية أنها تتحايل على الجميع و في الواقع هو استخفاف ممنهج من القائمين على العمل بوعي المشاهدين و الحقائق العلمية.
صراع مفتعل
يتكرر استخدام «حالة فقدان الذاكرة» بمسلسل «ونحب تاني ليه» بطولة ياسمين عبد العزيز وشريف منير، بطريقة سطحية للغاية؛ حيث لجأ إليه كمخرج درامي غير مدروس أو مسند لحقيقة علمية لتسخين الأحداث وتغيير مجراها و بناء صراع درامي مفتعل، بعد أن كاد يخلو المسلسل من الأحداث و بدت المشاهد باهتة تفتقد التشويق والترقب، لكن للأسف استخدمت فكرة النسيان بطريقة مستفزة للعلم، ولعقول المشاهدين لدرجة أصبحت مثار سخرية وليس تعاطفاً على «السوشيال ميديا»؛ حيث يتذكر البطل «عبدالله» زوجته وابنته تماماً، لكنه ينسى فقط معلومة «الطلاق» بينه وبين زوجته ليصبح ذلك ذريعة واهية للتسلل لحياة طليقته من جديد و ينافس حبيبها بقلبها.
ويتبنى مسلسل «لعبة النسيان» بطولة دينا الشربيني وأحمد داود، قضية فقدان الذاكرة كمحور أساسي لتحريك الأحداث منذ الحلقة الأولى كنتيجة لصدمة نفسية عنيفة مرت بها البطلة بعد تعرض زوجها للقتل، و يبدو أن تناول القائمين على هذا العمل بالتحديد لثيمة «النسيان» كان الأبرع والأقرب للمنطق و العلم واحترام المشاهد في تجسيدها لمعاناة البطلة بعد فقدان ذاكرتها، و تشويش معلوماتها بالكامل وبحثها المحموم لاكتشاف ماضيها الذي نسيته، واستخدام العمل خاصية «الفلاش باك» بمهنية وبراعة ليصحبنا مع البطلة في رحلة استعادة ذكرياتها بطريقة مشوقة و تدريجية ومنطقية ولا تخلو من الإثارة والأداء التمثيلي المعبر.
معلومات مغلوطة
سألنا د. رشا عبد الرحمن، رئيس قسم علم النفس بجامعة عجمان، عن تقييمها لطريقة تناول أعراض فقدان الذاكرة على الشاشة فبادرتنا بقولها: «أشعر بالحزن الشديد لتقديم هذا الكم من المعلومات الطبية المغلوطة حول فقدان الذاكرة مما قد يسبب تشويه لمعلومات المشاهد، فالأحداث الدرامية يمكن أن يغير فيها المخرج كما يحب و يبتكر كما يشاء دون قيود، لكن لا يمكن ولا يقبل العبث بالمعلومات العلمية لمعالجة الدراما في المسلسلات، فمثلاً الشخص الذي يفقد الذاكرة لا يمكن أن يتذكر كل الأشخاص في حياته ما عدا شخصاً واحداً، «كما شاهدنا في مسلسل فرصة ثانية»، أو يمارس حياته الطبيعية بشكل كامل لأن دماغه يكون قد تضرر بالفعل، وبالتالي لا يستطيع العودة للعمل، كما أنه يجد صعوبة في تذكر الأسماء أو الأماكن، ولا يكون من السهل عليه تكوين صداقات أوعلاقات جديدة، ومن ثم يشعر بالإحباط وبالضياع في أحيان كثيرة.
تضيف: «الفكرة الشائعة والساذجة حول أن علاج فقدان الذاكرة الناتج عن ضربة في الرأس يتم بضربة أخرى، فهذا كلام خاطئ تماماً تكرر تقديمه في كثير من الأفلام والأعمال الدرامية في السابق، والحقيقة أنه من المحتمل أن تسبب الضربة الثانية للرأس المزيد من الضرر ومشاكل أكثر للشخص المريض.
وكذلك ما تطرحه الدراما بأن الشخص المصاب بفقدان الذاكرة نتيجة صدمة نفسية يمكنه تخزين ذكرياته بشكل عميق في اللاوعي، وفجأة يستعيد الذكريات بحدوث أي إشارة أو حدث غير منطقي مثل ضوء مفاجئ أو كلمة معينة، وهذا غير صحيح بالمرة ففي الواقع تكون الطريقة التي يتذكّر بها العقل الذكريات طريقة ديناميكية متغيرة فعندما يتذكر الشخص الحدث فإنه يعيد بناءه من خلال تجميع أجزاء الذاكرة من مواضع مختلفة في الدماغ. ولا يتم تجميد أي ذكرى، سواء أكانت مؤلمة أم غير ذلك.