الشارقة: علاء الدين محمود

في رواية «الكتب التي التهمت والدي»، الصادرة عن دار مسكلياني، 2018، يأخذنا الكاتب البرتقالي أفونسو كروش، في عوالم رحلة ذهنية محتشدة بالتفاصيل العجيبة والوقائع الغريبة، فالكاتب في هذه الرواية يطلق العنان لمخيلته المبدعة، بحيث لا نجد فروقاً بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي، فقد نسج عالماً سردياً يجمع كل تلك التفاصيل.

الرواية تحكي قصة الطفل «إلياس»، الذي يبحث عن والده «فيفالدو بونفين»، الموظف الحكومي، الذي يعيش حياة رتيبة في مكتبه داخل مصلحة الضرائب، وذات يوم يصطحب الوالد معه بعض الروايات إلى عمله ليقرأ خلسة، وفي إحدى المرات وبينما كان يتظاهر بالعمل، انغمس فيفالدو في القراءة، واختفى من هذا العالم بين ثنايا الكتب، ليتفرغ طفله لعملية البحث عنه بين صفحات الكتب في المكتبة التي تركها والده، في رحلة غريبة يخلق خلالها علاقات مع أبطال الروايات التي قرأها والده، ويحاور تلك الشخوص المتباينة من الطيبين والأشرار المجرمين والمرضى النفسيين، ويزور الأماكن التي جرت فيها أحداث الكلاسيكيات الأدبية القديمة مثل: «الجريمة والعقاب»، لدوستويفسكي، و«دكتور جيكل ومستر هايد»، لروبرت ستفنسون، و «فهرنهايت 451»، لراي برادبري«، وغيرها من الروايات الخالدة، وهي رحلة يواجه فيها الابن وقائع وعوالم خيالية عجيبة وممتعة.

العمل يقع في 112 صفحة، جمع بين شتى عناصر وتقنيات السرد الروائي الخيالي والممتع، فكل شيء عجيب في العمل ومختلف، فالراوي هو صوت طفل«الابن»، واللغة بسيطة والأحداث غير متوقعة ومثيرة.

الرواية وجدت صدىً كبيراً بين القراء الذين أجمعوا على جودتها كونها فانتازيا مختلفة ورحلة غرائبية، ويتوقف أحدهم عند تجربة لافونسو كروش الإبداعية، ويقول:«يواصل الكاتب تجربته السردية الغريبة في هذه الرواية الخيالية، بعد عمله الأول (هيا نشتري شاعراً)، وهذا يشير إلى أن المؤلف صاحب مشروع سردي يعتمد على الإدهاش عبر صنع عوالم خيالية»، فيما يشير آخر إلى حجم الروايات الكلاسيكية المشار إليها في العمل، ويقول:«يحتفي العمل بالمنتوج السردي الكلاسيكي، فالرواية عبارة عن استعراض خيالي لتلك الأعمال، وإبحار جميل في عوالمها يعتمد على التحليل واستنطاق أبطال الرويات العظيمة، ومناقشة مقولات الأدباء».

يركز قارئ آخر على الأسلوب السردي للكاتب الذي حقق شروط المتعة والغرائبية والبساطة دون تسطيح، كما برع في عملية التداعي الحر وحديث الذكريات حين كان الروائي طفلاً، وعلى ذات المنوال يتناول قارئ آخر المقدرة على الوصف في كلمات بسيطة، ويقول:«لعل أجمل ما في العمل هو ذلك التكثيف الرائع والاختزال المدهش في وصف الأماكن والشخصيات، استطاع الكاتب أن يصنع صوراً ومشاهد بجمل بسيطة أشبه بمقاطع شعر الهايكو، كما أن اللغة نفسها كانت حالمة وشاعرية وبسيطة».

اعتبر أحد القراء العمل فتحاً عبقرياً في مجال الرواية، ويقول:«هذا ليس مجرد سرد روائي، بل يحمل رؤى تعتمد الفلسفة والتحليل النفسي، فالذكريات في الرواية ليست بالضرورة وقائع حقيقية حدثت في الماضي، بل هي تأويل خلاق لها»، وبينما يشبه قارئ الرواية بالحلم الجميل الذي لا تريد أن تستيقظ منه؛ تتوقف قارئة عند نجاح العمل في الجمع بين قصتين، وتقول:«هنالك حكايتان في الرواية، الأولى خاصة بالوالد ورحلة البحث عنه، والأخرى متعلقة بالابن وعوالمه الخاصة، وقد أمسك الكاتب بخيوط القصتين ببراعة شديدة وخلق من خلالهما نسيجاً سردياً واحداً».