ولد الكاتب الفرنسي «ستندال» (اسمه الحقيقي ماري هنري بيل) في أسرة برجوازية ريفية، متبلدة الإحساس، كما وصفها هو، وكان يرى نفسه إنساناً عالمياً متفجراً، حالماً خجولاً، فقد أراد أن يصبح محللاً بارد الأعصاب، ورجلاً من رجال الأفعال والأحداث، كان يحن إلى فتح قلبه، وأن يعترف في كتاباته، ومع ذلك فما من شيء كان يبعث فيه المتعة، مثل حجب عاطفته وتضليل قرّائه.
ربما كان ستندال أول كاتب أوروبي يصير مقتنعاً قناعة لا رجوع فيها بأنه لم يعد في الإمكان الحياة على القيم الموروثة، فستندال الذي ولد في سنة 1783 أي قبيل سنوات من الثورة الفرنسية، ترعرع خلال فترة الانفجار الحاد، وصار مراهقاً مع مجيء الفترة القنصلية وبلغ سن الرجولة تحت ظل إمبراطورية نابليون كما شارك في الإخفاق النابليوني في روسيا وكتب نصف كتبه خلال عودة الملكية والنصف الآخر خلال ملكية يوليو/ تموز ومات في سنة 1842، ويمكن أن يقال: إن حياته كانت دائماً تحت هاجس الثورة وامتداداتها.
كانت القضايا السياسية تحمل لدى ستندال سحراً لا ينتهي، وكان في مقدوره أن يراها رقصاً هزلياً أو قوة درامية في آن معاً، كانت الضرورة السياسية تشكل على الدوام التركيب الكامن لرواياته، وعلى الرغم من أنه قال قولاً ساخراً مفاده أن السياسة في الرواية شيء غير منسجم مثل طلقة مسدس في قاعة للموسيقا، فقد كان يمتلك شكاً يفيد أن عدم الانسجام ذاك تكمن فيه الحقيقة أعمق، وأصالة ستندال بوصفه واقعياً تكمن بالدرجة الأولى في فهمه أنه ما من مصير فردي يمكن عزله عن الأحداث والتيارات التي تجعل منه ضحية لها، فقد أحس بأن طلقة المسدس هي جزء من الاحتفال الموسيقي.
لم يحظ ستندال بوصفه صحفياً ومعلقاً سياسياً بالعناية التي يستحقها على الدوام؛ ذلك أنه كان حسن الاطلاع على نحو غير معتاد، فهو إذ كان قارئاً نهماً للصحف فقد أنشأ أيضاً صداقة مع بعض رجال الشرطة، الذين قدموا له شذرات سياسية استطاع أن يُطعم بها مقالاته التي كان يكتبها من غير توقيع، إلا أن إحساس ستندال المأساوي بالتاريخ والسياسة يذهب إلى أبعد من الهجاء، إنه إحساس تنبؤي على نحو غريب بشأن أكثر المشكلات إلحاحاً في أيامنا هذه، فحرب جوليان سوريل بطل رواية «الأحمر والأسود» مع المجتمع ليست مجرد عراك على السطح يضع في المواجهة كبرياء رجل ما تجاه كل أنواع الناس عديمي الاستنارة؛ ذلك أنها حرب مريرة تنبئ بالحرب بين الطبقات.
كان ستندال محصناً ضد التاريخية الرومانسية، وصور الطغيان تملأ صفحات كتبه، وقد تبدو لأول وهلة تلك المؤامرات الرهيبة والتحوطات التي لا نهاية لها والرسائل السرية، إنها شبيهة بالألعاب الخاصة لخيال يتمتع بإخافة نفسه ويسعى للبحث عن اللذة في أحلام تتناول الاضطهاد، ومع هذا فإن تلك الأمور تشير إلى عالم صارت فيه الوشاية والقهر من الحقائق اليومية، عالم صارت فيه العين السياسية المتوغلة في كل شيء والمتدخلة في كل شيء قد غزت أو تكاد تغزو الضمير الفردي.
ستندال وهو متحير في لغز شخصيته ومشتبك مع الصور المتضادة التي يعرضها في أذهان الناس الآخرين، يسائل نفسه دائماً هذا السؤال المزدوج: من أنا؟ ماذا كنت؟ وهو يدرك إدراكاً حزيناً أن العين لا تستطيع أن ترى نفسها، وهو إلى حد كبير مثل شخوصه القصصية يشعر بأنه مرغم على البحث عن أشد القضاة قسوة، ومن خلال تناقض غريب؛ لكنه عميق المعنى يصبح ارتداء القناع وفن الاختفاء الفكري والكذبة التي من شأنها أن تحمي الكائن الداخلي عاملة كلها في آن واحد وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس وأسلوباً من أساليب الكشف عن الذات، كل شخوص ستندال ملاحقة بهاجس الحاجة إلى تعرية ضميرها لنفسها، وإذا اقتضى الأمر فعن طريق تغيير حيواتهم؛ بل حتى تغيير هوياتهم.