عادي

المحتوى الإلكتروني العربي.. فوضى ثقافية غير خلاقة

مخزونٌ يحتاج إلى جهد تنظيمي وروافد جديدة
02:33 صباحا
قراءة 5 دقائق
الشارقة: أوميد عبدالكريم إبراهيم

لطالما كان محتوى الشبكة العنكبوتية، بما تضمّه من مواقع ومدونات ومنتديات وغيرها، مادةً دسمة للأبحاث والندوات والمحاضرات التي ناقشت مدى إمكانية ضبط هذا المحتوى، وتحقيق الاستفادة المرجوة منه، ولا سيما في ظلّ غياب معايير وضوابط تحكم الولوج إلى هذه الشبكة التي تعتبر متاحةً بكل سهولة لمن يريد، كما أن معظم الخبراء يُجمعون على أن المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، سواء كان سياسياً، أو علمياً، أو اجتماعياً، أو ثقافياً يعتبر متواضعاً مقارنةً بغيره، ويُرجعون الأسباب إلى شحَّ المشاريع التي تتبنى تحويل المحتوى العربي المطبوع إلى صيغة رقمية، ونشره في الشبكة العنكبوتية، وكذلك ضعف التمويل، وما نتج عن ذلك من حضور عربي متواضع في الفضاء الرقمي الرحب

يُعرف المحتوى بأنه مجموع المستندات المكتوبة بلغة ما، والمنشورة على مواقع الإنترنت، وفي ما يتعلق بالمحتوى العربي، فإن بعض الأرقام والإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة تُشير إلى أن إجمالي حجم هذا المحتوى على الإنترنت يبلغ 3% فقط من إجمالي المحتوى الرقمي، وقد ارتفعت نسبة المحتوى العربي إلى 4% عام 2013، قبل أن تتراجع إلى 2% عام 2014، ولا شكَّ في أن نسبة تمثيل اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية لا تتناسب على الإطلاق مع أهمية هذه اللغة وعدد مستخدميها، ولا مع أعداد متصفحي الإنترنت من الدول العربية.

مساحات رقمية

كانت المدونات منذ ظهورها في أواخر التسعينات من القرن الماضي، واحدة من أبرز المساحات الرقمية التي تُطرح من خلالها الآراء الشخصية، والأفكار، والقضايا، والأخبار وغيرها، وهي تتضمن منشورات مرتبة زمنياً من الأحدث إلى الأقدم، وتتيح مواقع التدوين للمستخدمين إمكانية التفاعل في ما بينهم عن طريق نشر التعليقات، إلى جانب الوصلات، وقد شهدت المدونات تطورات متلاحقة بعد أن أُضيفت إليها ميِّزات متنوعة، فبعد أن كان التفاعل متاحاً لطرف واحد، أصبح ممكناً لطرفين، وذلك من خلال إتاحة الفرصة للزائرين لكتابة التعليقات ونشر الوصلات على أي منشور في المدونة، وهو ما أسهم في إثراء النقاشات والحوارات التي كانت تدور فيها.

تطرح مسألة المحتوى الثقافي العربي على الشبكة العنكبوتية والمواقع الإلكترونية، إلى جانب المدونات، تساؤلاً حول مدى إمكانية الاستفادة منها، وما لها وما عليها، ويُجمع عدد من المثقفين والكُتَّاب الإماراتيين، على أن غياب الرقابة وانعدام المعايير والضوابط أسهما بشكل جليٍّ في تراجع المحتوى الثقافي العربي على الإنترنت كمَّاً وكيفاً، ولا سيما أن الشبكة العنكبوتية يلجُ إليها كل من هبَّ ودبّ دون حسيبٍ أو رقيب، وأشاروا في الوقت ذاته إلى ضرورة أن تُثري تلك المدونات والمواقع الإلكترونية، المخزونَ الثقافيَّ العربيَّ الذي يحتاج دوماً إلى روافد متجددة، وألا تكون تكراراً لموروث فكري أو ثقافي متعارف عليه، فالبحث في الكمِّ الكبير من الثقافة التي تتجدد باستمرار، يمكن أن يُحقق أقصى استفادة ممكنة.

تراجع

يرى الشاعر كريم معتوق أنه مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الشبكة العنكبوتية بشكل عام، تراجعت الثقافة إلى المستوى الإخباري، وأصبحت أخباراً أكثر من كونها محتوى ثقافياً، والذي كان في الماضي يُقيم في الكتب المطبوعة فقط، وحتى الندوات والقراءات أصبحت تتعامل مع مستوى ثقافي متوسط، وربما أقل، والمثقف الذي كان يلقي محاضرة للمثقفين المتابعين، أصبح جمهوره من العامة، فبدأ يقلل من المحتوى الثقافي في ما يقدمه، لكي يصل إلى أكبر شريحة من المجتمع، ولو تحدثنا عن الشعر كمثال، فقد تراجعت القصيدة العمودية بعد أن تراجعت في الصحف والأمسيات الشعرية، كما تراجعت قصيدة النثر، وهو ما أضر بالكثير من الشعراء الذين تحولوا إلى الكتابة في وسائل التواصل، لأنهم بدأوا يكتبون الفكرة أو اللمحة، أو حتى القضية العابرة، وما عادوا يؤسسون لقصيدة لافتة.

ويضيف: ما زالت الكتب المطبوعة الملجأ الحقيقي للمثقفين العرب، والعمل الخالد بامتياز، أما وسائل التواصل، فهي ثقافةُ هواء، وسرعان ما تتلاشى وتنتهي، وأنا لست ضد الثقافة بإطارها الأوسع، ولكنها تحضر في هذا المشهد على استحياء، فليس للمثقف مكان بارز في «الميديا» بشكل عام كالمكانة التي يحتلها من يقدم الضحك أو المقلب أو غير ذلك، أو حتى من يقدم الإغراء، فقد كان نجوم المجتمع حتى الثمانينات هم الأدباء وبعض المطربين، وحين نلتفت إلى مصر كمثال، فقد كان فيها نجوم بحجم إحسان عبدالقدوس، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، أم كلثوم، عبدالحليم حافظ وغيرهم، أما الآن، فنجومها هم الرياضيون والمطربون الذين ليسوا بمستوى من سبقوهم، وهذا المشهد يمكن إسقاطه على بقية المجتمعات العربية، حيث أصبح الأبرز في المجتمع هو من لا يقدم خدمة حقيقية، ويبدو أن هذا هو طبيعة العصر الذي نعيشه، لأن المحتوى الثقافي موجود في زاوية بعيدة عن رأس المشهد.

معايير وضوابط

يؤكد الكاتب والقاص محسن سليمان أن المحتوى الإلكتروني يحتاج إلى المزيد من الضبط الذاتي، ونحن معتادون على الكتب المطبوعة التي تخضع للرقابة إلى حد ما من قبل الجهات المعنية على الأقل، أما المحتوى الإلكتروني، فقد لا يكتشف المرء أنه يُضيع وقته وجهده في قراءة موضوع ما، إلا بعد مرور مدة من الزمن، وعليه أعتقد أن القراءة الإلكترونية يجب أن تبدأ بمعرفة الكاتب أولاً، لكي يطمئن القارئ لما يقرأه، وهناك الكثير من المواد التي تبدأ بعناوين جاذبة أو غريبة، ولكنها لا تُعبر عن المحتوى إطلاقاً، كما يمكن أن يكون المحتوى مبتذلاً، ولا يستحق مجرد القراءة، فمن يقرأ يجب أن يعرف في أي منتدى أو صفحة يتواجد، تماماً كما يختار القارئ كتبه المطبوعة بعناية واهتمام، والأمر ذاته ينطبق حتى على قراءة مقال قصير على الشبكة العنكبوتية.

ويتابع قائلاً: بالنسبة لمواقع التواصل الاجتماعي على وجه التحديد؛ أعتقد أنها مُسيسة إلى حد ما، أما المنتديات، فهناك ما يستحق المتابعة، حيث يقدم بعضها محتوى ثقافياً مرموقاً لكتاب معروفين بغض النظر عن مجال تخصصهم، ولكن يبقى الأهم أن نعرف لمن نقرأ، وماذا نريد أن نقرأ، ففي السابق كانت المطالعة تجري في المكتبات وتخضع لرقابة ومعايير وضوابط معينة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق في الشبكة العنكبوتية التي يلجُ إليها كل من هبَّ ودبّ؛ وهو الأمر الذي يستوجب أن يقوم القارئ بعملية الضبط ذاتياً.

إثراء

تقول الكاتبة والشاعرة، شيخة المطيري: إن بإمكان المستخدم اليوم إيجادُ كمٍّ كبيرٍ من المدونات، العامة منها والترفيهية، والمتخصصة وغيرها، وبحكم طبيعة عملي مثلاً كنتُ أبحث في المدونات عمّا لا يمكن أن يتوفر في الكتب والجرائد وغيرها، ولا سيما المدونات التي يشرف عليها باحثون، والتي يمكن العثور فيها على كمٍّ كبير من المعلومات والخرائط وغيرها، وبالتالي الاستفادة منها إلى أقصى حدٍّ ممكن، وأنا شخصياً كنت أنوِّع بين المدونات الإماراتية وغيرها، ولا سيما أن بعض الأعمال لا تتوفر إلا في المدونات تحديداً، فضلاً عن توفير إمكانية التواصل مع بعض الكتاب والشعراء والروائيين، وأعتقد أن المدونات تثري المحتوى العربي وتُنمي الذائقة الثقافية للقراء، وباعتبار الإمارات جزءاً من الخليج، ومن العالمين العربي والإسلامي، فهي تقدم للعالم ما توصلت إليه من خلال هذه المدونات.

تجارب شخصية

يُشير الكاتب والشاعر، أحمد المطروشي، إلى أن المدونة في إطارها العام عبارة عن تجربة، ولكن السؤال المُلِّح هو: هل هي تجربة كبيرة وناضجة، أم أنها عبارة عن يوميات وحالة مقتبسة من مواد أخرى؟ فالمدونات بشكل عام تكون ناتجة عن جهود أخرى، ولكن بعضها يمكن اعتبارها أقل من عادية، وعبارة عن تجارب شخصية لا غير، كما يمكن أن تنقل المدونة رأياً ثقافياً أو شخصياً لا يمكن الاستفادة منه بأي شكل من الأشكال، فمنظومة الأدب كبيرة وبحاجة إلى تجديد، أما مبدأ «النوستالجيا» أو الحنين إلى الماضي، فلا يضيف شيئاً إلى المخزون الثقافي الذي يحتاج إلى روافد متجددة وتطوير دائم، فحتى الأجيال القادمة لن تستفيد من مثل هذا المحتوى، أما البحث في الكم الكبير من الثقافة التي تجدد باستمرار، فيمكن الاستفادة منه لأقصى حد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4fshqvb