إعداد: هشام مدخنة

لعل المشكلة الأكبر التي تؤرق غالبية المديرين اليوم هي صعوبة التعامل مع آثار مرض «كوفيد-19» على مؤسساتهم، لكن هذه الآثار تتفاوت بدرجة كبيرة بين أقسام كل مؤسسة. حيث يعالج قسم الشؤون المالية مشاكل حيوية تتعلق بإدارة الأموال النقدية، ويتعامل قسم الموارد البشرية مع خيارات قاسية تتعلق بتسريح العاملين وإجازاتهم، ويحاول قسم المبيعات إقناع العملاء باستمرار شراء المنتجات على الرغم من نفاد الميزانيات، أما قسم تقنية المعلومات فتراه يسعى جاهداً لدعم الموظفين الذين يعملون عن بعد لكي يكون عملهم منتجاً.

ذكر موقع «هارفارد بزنس» أن هناك أقساماً أشد تأثراً بالجائحة من غيرها، ومنها قسم مركز الاتصال أو خدمة العملاء. ولفهم تأثير الجائحة على هذا القسم بشكل أفضل، قام فريق من شركة «تيدزر» للذكاء الاصطناعي بإجراء دراسة على قرابة مليون اتصال مع أقسام خدمة العملاء في أكثر من 20 شركة ضمن مجموعة قطاعات مختلفة بدءاً من إعلان منظمة الصحة العالمية وباء «كورونا» جائحة عالمية. واستخدم في التحليل خوارزميات خاصة قائمة على 250 عاملاً متغيراً، تتيح تقييم مستوى الجهد المبذول مع العميل في المكالمة، وتحديد مستوى تحقيق هدف العميل من الاتصال بدرجة تتراوح بين «الصعبة» و«السهلة»، بالإضافة لتسجيل الدوافع الأساسية لهذه التقييمات. وأعطت التحليلات والنتائج صورة مقلقة عن تجربة العميل وقادة أقسام خدمة العملاء.

ففي غضون أسبوعين فقط، كان متوسط معدل الاتصالات ذات المستوى «الصعب» يعادل أكثر من ضعفي معدل الاتصالات ذات المستوى «العادي» الذي بلغ ما بين 10% إلى 20%. حيث إن المشاكل المرتبطة بالجائحة أدت إلى زيادة كبيرة في تهيج عواطف المتصلين وتوترهم أثناء مكالماتهم مع موظفي خدمة العملاء. سواء كان اتصالهم بهدف إلغاء رحلة مفاجئ أو مطالبة بتمديد مهلة سداد الفواتير أو بخصوص ما تشمله وثيقة التأمين، ما ضاعف الصعوبات التي يواجهها موظفو خدمة العملاء في الأيام العادية.

شهدت إحدى الشركات المشاركة في البحث في غضون أسبوع واحد زيادة بنحو مرتين ونصف المرة في عدد الاتصالات المتعلقة بالصعوبات المالية، وهي من أصعب الاتصالات التي يضطر الموظفون للتعامل معها.

يسهم القلق الذي يعانيه العملاء في ارتفاع مستوى الجهد في اتصالاتهم المرتبطة بالجائحة. والعامل المساهم الآخر هو أن موظفي خدمة العملاء الذين باتوا يعملون من منازلهم لأول مرة، بعيدون عن البنية التحتية اللازمة والأجهزة الضرورية لعملهم، وبالتالي فهم يواجهون صعوبات أكبر مما اعتادوا عليه في مساعدة عملائهم. مثلاً، لوحظ ارتفاع كبير في عدد الحالات التي يقول فيها العميل أو الموظف جملة «لا أستطيع فهم ما تقول»، في دلالة واضحة على فقدان التواصل الحقيقي للأفكار بينهما. كما اتضح وجود زيادة كبيرة في فترة انتظار العميل على الخط تصل إلى 34% قبل أن تتم أخذ مكالمته، ولوحظ أيضاً زيادة حالات تحويل المكالمات إلى موظفين أكثر خبرة وأعلى منصباً بنسبة تجاوزت 68%.

يعتبر المديرون هذا الارتفاع في الجهد مؤشراً سيئاً يؤدي إلى خسارة العملاء ولا ينتج أرقاماً جديدة في المبيعات، عدا عن أنه يسهم في تراجع أداء الموظف نفسه وفقدانه للتحفيز وشهية العمل.

وضعت أزمة «كورونا» الموظفين والمديرين والقادة في قسم خدمة العملاء تحت ضغط كبير لم يختبروه من قبل. لكن مع التركيز على المهارات المناسبة والدعم الذي يقدمه المديرون والزملاء أصحاب الخبرة، لن يكون هناك أي مبرر لعجز شركات الخدمات على تجاوز هذه الأوقات العصيبة، بل والازدهار فيها أيضاً.

فماذا يمكن للشركات فعله من أجل مساعدة موظفي خدمة العملاء على التعامل مع هذه المواقف الصعبة؟

المشاركة في الحكم والاستفادة من الخبرات

يجب تشجيع التعاون بين موظفي خدمة العملاء وفق أسس وضوابط واضحة تمنحهم إمكانية الاستفادة من خبرات الآخرين وتشجعهم على ذلك. بدلاً من الالتزام بالسياسات والتعليمات وانتظار الضوء الأخضر من الإدارة.

ولكن ليس من السهل إنشاء هذا النوع من مناخ «المشاركة في الحكم» حتى في الظروف العادية، وستزداد صعوبته مع عدم حضور الموظفين جنباً إلى جنب في القسم ضمن مقر الشركة. لحسن الحظ يمكن لوسائل التواصل الفوري الحديثة مثل تطبيق «سلاك» و«زووم» إنشاء مساحات عمل لموظفي خدمة العملاء تمكنهم من التواصل المباشر فيما بينهم لتبادل النصح والإرشاد ووجهات النظر. يمكن تخصيص وقت قصير قبل بداية العمل الفعلي وبدء محادثة جماعية بين الموظفين المعنيين، يطرحون فيها الأسئلة ويقدمون الاقتراحات ويعملون على تصحيح أي معلومات مغلوطة ما يساعد الشركة على تفادي المشاكل ويعزز من قدرة الموظفين ووعيهم بكل صغيرة وكبيرة في صلب عملهم.

التخلص من سلوكيات التدريب السيئة

منذ إعلان الجائحة، يزداد عدد المؤسسات والشركات التي تبتعد عن التدريب المنظم الذي كان سائداً في مراكز الاتصال في السابق. فبدلاً من تخصيص ساعة في الأسبوع لمراجعة بضع مكالمات مع كل موظف في القسم، للوقوف على جودة المكالمة وتقييم الإيجابيات والسلبيات فيها، يسعى المديرون اليوم إلى دمج ممارسات التدريب مع سير العمل اليومي.

ولم يعد اليوم موظفو خدمة العلماء يعملون ضمن أقسامهم في مقرات الشركة، ففقد المديرون إمكانية رؤية أنماط عمل موظفيهم، كرؤية الموظف المشغول بمكالمة، والموظف غير المشغول الذي يمكن التحدث إليه، وهذا يصعب على المدير معرفة الوقت المناسب للتواصل مع موظفيه والانخراط في عملية التدريب. لذا يميل المديرون للعودة إلى العادات السيئة والسلوكيات القديمة التي تتمثل في ترتيب لقاءات فردية مع كل موظف على حدة مرة في الأسبوع، والتركيز على المعايير، كمدة الاتصال، بدلاً من السلوكيات.

زوّد موظفيك بأساليب تساعدهم على تخفيف حدة وغضب العملاء

لايزال قسم كبير من موظفي خدمة العملاء مقيدين بسياسات خدمة العملاء الأساسية، التي تعود إلى فترة ما قبل الجائحة. وهذا يزيد المواقف الصعبة سوءاً. لذا تراهم يتذرعون بالسياسات ويشيرون إلى أنهم «عاجزون عن المساعدة» أكثر من السابق عندما كانت الظروف عادية. لذا من الضروري جداً أن يقوم المديرون بتعديل بعض السياسات بما يتناسب ويعكس الواقع الحالي الذي نمر به، وتخفيف احتمالات اتباع الموظفين سياسات قديمة تجنباً لحل مشكلة العملاء.

وتشمل السلوكيات الأخرى التي تزيد من توتر العملاء غموض الكلام واستخدام لغة سلبية وإعادة توجيه المكالمات إلى أقسام أخرى بصورة عبثية. فترى الموظف يقول «أقترح أن تتواصل مع فلان» أو «لا يمكنني مساعدتك، ربما كان القسم الفلاني قادراً على ذلك» ما يضطر العميل للانتظار مجدداً وشرح مشكلته مرة أخرى، في إضاعة واضحة للوقت والجهد.

العلاج الشافي لهذه التحديات هو منح موظفي خدمة العملاء بعض الاستثناءات والصلاحيات لحل مشكلة العميل، كما يمكن أن يساعد إخضاع الموظفين لدورات تدريبية في حل المشكلات واتخاذ القرار وتزويدهم بالأساليب اللغوية المناسبة في تحقيق نتائج أفضل حتى وإن لم يكن بإمكانهم القيام ببعض الاستثناءات.

ويجب ألا يُغفل الموظف نفسه «التعاطف» مع العميل إلى أقصى حد، وجعله يشعر بأنه مدرك تماماً لحجم مشكلته ويعمل بجهد لحلها. ما يؤثر بدرجة كبيرة في استياء العميل ورضاه وولائه للشركة عند إنهاء المكالمة.