مارلين سلوم

السينما تكرر،مضطرة، حكاياتها وأفلامها، لكن بعض المكرر مفيد ويمكنه جذب من لم يشاهده سابقاً، وجذب الجمهور من فئة الشباب الذين لم يكونوا قد بلغوا السن التي تمكنهم من دخول مثل هذه النوعية من الأعمال.
«لوسي» فيلم من إنتاج 2014، لكن عرضه حالياً في صالات السينما بالإمارات يستطيع كسب ود الجمهور، لأنه يصلح لكل وقت،مادام من الخيال العلمي المحبب، وبطلته تحقق دائماً نجاحاً في أدوار «الأكشن» والجريمة والخيال، كما هو حالها في هذا العمل.
سكارليت جوهانسون نجمة شباك بامتياز، قادرة على تحمل مسؤولية فيلم كامل وحدها، ولفت أنظار المشاهدين إليها حتى ولو أحيطت بمجموعة من الأبطال «الخارقين»، خصوصاً وهي تؤدي «الأرملة السوداء» سواء في فيلم خاص بالشخصية، أم في بطولة مشتركة مع مجموعة الأبطال الخرافيين لشركة «مارفل»، مثل فيلم «أفنجرز إنفنيتي وور». لذا لا تتردد في مشاهدة «لوسي» الذي يعتبر بطولة مطلقة لجوهانسون، وكل من معها يلعب دوراً مكملاً وثانوياً، علماً بأن القصة لا تحتمل الكثير من الشخصيات المؤثرة بل هي بطلة ومن حولها مساعدون وهم، مورجان فريمان، شوي مين سيك، وعمرو واكد، مع مجموعة من الكومبارس.
الفيلم للمؤلف والمخرج الفرنسي لوك بوسون، الذي يعتبر أن للسينما سحراً خاصاً وأنه «من الأشياء المميزة والجيدة في الأفلام، أنك تأتي بأشياء كثيرة وتخلطها فتبدو في النهاية حقيقية». من هنا، اعتمد بوسون على المعلومات العلمية وحلّق بها عالياً، فخلط الحقيقي بالافتراضي، بل قدم ما لا يمكن أن يتحقق في الواقع أبداً. يعود بنا إلى أصل الحياة والوجود والإنسان الأول، وما نستخدمه من عقلنا والطاقة التي يملكها المخ البشري، وما يمكنه فعله إذا ما تمكن من استخدام كل تلك الطاقة، أي 100% من قدرات عقل الإنسان. افتراض يمكن تصديق بعضه واعتبار البعض الآخر «كلام أفلام» إنما فيه قدر من المتعة والتشويق.
«لوسي» هو نظرة فلسفية إنسانية خيالية علمية، فيلم عن الوجود، عن قدرة الإنسان منذ بداية الخلق وحتى المستقبل، وعن العقل الذي ميزه به الخالق عن سائر مخلوقاته، والذي لا يستخدم منه سوى القليل، فما الذي يحصل إذا تمكن الإنسان من استخدام كامل قدراته العقلية وكل خلايا المخ؟ كثيرة الأسئلة التي طرحها لوك بوسون، وأولها: «الحياة وهبت لنا منذ ملايين السنين فماذا فعلنا بها؟»، لكن إجاباتها ليست كلها علمية ولا يمكن حدوثها، وإن حاول في فيلمه تقريب الخيال من الحقيقة وإقناعنا بإمكانية حصوله سواء من خلال تسلسل الأحداث، أو بالإخراج الجيد.
الفيلم يستند إلى اسم البطلة «لوسي»، وتؤديها سكارليت جوهانسون، ولا شك أن بوسون اختاره على اسم أشهر شمبانزي (من الأسترالوبيثكس أفارينسيس) التي أطلق عليها العلماء «لوسي» بعد العثور على هيكلها العظمي عام 1974، ويعتقد أنها دليل على السلالة البشرية الأولى وتطور الإنسان. والمخرج يتعمد منذ بداية فيلمه الربط بين الطبيعة والحيوانات والإنسان، وفي المشهد الأول الذي تظهر فيه لوسي، حيث يدور حوار ومشادة بينها وبين صديقها ريتشارد عند مدخل أحد الفنادق، ثم إجبارها على تسليم حقيبة تجهل ما بداخلها إلى «السيد جانج» (شوي مين سيك)، يقدم المخرج المشهد بشكل ثنائي، آدمي وحيواني. اللقاء بين لوسي وجانج ورجاله يترجمه المخرج إلى لقاء بين مجموعة نمور وفريستها الغزال الرشيق الجميل، قبل الانقضاض عليه. يعتمد المخرج على الربط المباشر بين المشهد ورمزيته، دون أن يترك للجمهور وقت أو عناء التفكير أو التشبيه أو البحث عن فك الألغاز. هذا اللقاء غيّر حياة لوسي، فقد استفاقت على جرح في أسفل بطنها، لتكتشف أن جانج أجرى لها عملية خبأ فيها حبيبات زرقاء مغلفة بكيس بلاستيكي تحتوي على مادة مصنعة من «سي بي أتش 4»، ومعها ثلاثة شبان تجهل هوياتهم، أجريت لهم نفس العملية، وعلى كل منهم التوجه إلى بلد لتسليم البضاعة والعودة خلال 24 ساعة. يتم احتجاز لوسي، وتتعرض للضرب على منطقة الجرح فتتسرب حبيبات من هذه المادة إلى جسمها، فتبدأ بالتفاعل بشكل غريب، وتمنح لوسي قوة خارقة تستطيع من خلالها تذكر أدق تفاصيل حياتها منذ ولادتها، وتسمع كل حركة وصوت وتفهم اللغات وتسيطر على الأجهزة الإلكترونية كافة، بلا أي إحساس بالألم. أدركت الفتاة أنها بدأت تستخدم 10% من خلايا مخها، ثم 20%، وكلما مر الوقت تفتحت خلايا ومناطق في دماغها، وزادت قدراتها.
تتصل لوسي بالدكتور صامويل نورمن (مورجان فريمان) العالم الذي أجرى أبحاثاً ودراسات عن تكوين الدماغ الذي يملك مليارات من الخلايا العصبية التي تعالج الكثير من البيانات التي نجهلها، ويتساءل في أبحاثه ومحاضراته، عما يمكن للإنسان فعله إذا ما تمكن من إعمال كامل قدرات وخلايا الدماغ؟ تدهشه بالمعلومات التي تملكها، وبقدراتها الخارقة في الإحساس بكل شيء، مثل حركة الكرة الأرضية، الجاذبية، جريان الدماء في عروقها.. وتسأله عما يجب أن تفعله كي تستفيد من هذه الحالة الاستثنائية لخدمة الإنسان؟ من العبارات الجميلة التي وضعها لوك بوسون وتستوقفنا، عبارة قالتها لوسي للدكتور نورمن بمعنى أنها كلما زادت قدرتها العقلية و«تفجرت» المعلومات داخل مخها، قل شعورها بإنسانيتها. كأنه يريد القول إن الإنسان كلما تقدم في علومه ومعرفته أكثر، كلما قلت مشاعره الإنسانية وكلما تراجعت حساسيته تجاه الأمور الحياتية والعاطفية. يتحول الإنسان إلى روبوت يخزن المعلومات ويتحرك بشكل آلي.
وما القبلة التي تمنحها لوسي للكابتن ديل ريو (عمرو واكد) إلا دليل إضافي يقدمه المخرج ليثبت تحول هذه المرأة إلى شبه آلة، بلا مشاعر ولا عواطف. ديل ريو هو الذي اختارته لوسي من الشرطة الفرنسية لتعطيه كافة المعلومات عن الرجال المكلفين بنقل الأظرف الزرقاء في أحشائهم إلى كل من روما وبرلين وباريس، من أجل إلقاء القبض عليهم كي تتمكن من الحصول على الكمية كلها وإتمام المهمة «الإنسانية» وفق إرشادات الدكتور نورمن، بهدف خدمة الإنسان ومستقبل العلم.
لوسي تحول نفسها إلى حقل تجارب، ليأتي ختام الفيلم خيالياً بامتياز، يعيد الربط بين لوسي الأولى (الشمبانزي) ولوسي الجديدة، وينتقل إلى المستقبل والجيل الجديد من الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية.
أداء رائع لسكارليت جوهانسون خصوصاً في حالات الخوف والتبدّل، وأداء مماثل للمبدع مورجان فريمان.

[email protected]