الذائقة الشعرية مهارة يمكن من خلالها الاستمتاع بالقصائد واختيار أعذبها، وهي تعتمد على الإحساس المرهف والحر، وغيرِ المقيَّدِ بأيٍّ من أشكال القيود، وخلق ذائقة شعرية متميزة تتطلب وجود نوع من التأثيرِ والتأثُّرِ بين الشاعر والمتلقي اللذَين يشكلان طرفَي هذه المعادلة، وبالتالي إيجاد نوعٍ من التوازن في هذا الإطار، وهذه المسألة تطرح تساؤلاً حول من يشكل الذائقة الشعرية، القصيدة أم المتلقي؟ وما إذا كان باستطاعة الشاعرتأسيس نوع من التفاعل في ما بينهما.
يُجمع عدد من الشعراء الإماراتيين في هذا الاستطلاع على أن كُلَّاً من القصيدة والمتلقي يُكمِّل بعضهما الآخر، وأن الشاعر هو الذي يقود عملية التكامل هذه من خلال صياغةِ نصه بما يتناسب مع ذائقة الجمهور، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن الذائقة تختلف باختلاف أنواع الشعر، كما أن ثقافة المتلقي لها علاقة بتقبله للقصيدة، وهذه الجزئية تلعب دوراً في اختيار نوع القصيدة المفضلة بالنسبة له، وأنّ الشاعر بإحساسه وتأثيره وأسلوبه يستطيع أن يؤثّر في ذائقة المتلقّي، وهذا بحد ذاته يعتبر نجاحاً للشاعر الذي تمكن من تحقيق التناغم بين القصيدة والمتلقي، وكذلك خلق حالةٍ يجعل فيها المتلقّي محوراً أساسياً في المشهد العام.
تُشير الشاعرة صالحة غابش، مديرة المكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، إلى أن القصيدة والمتلقي يشتركان في الذائقة الشعرية، ويقودهما الشاعر بما يشكل مثلثاً متكامل الأضلاع، وإذا خرجنا من إطار الشاعر بعد كتابة القصيدة، فإن القصيدة تصبح في مواجهة المتلقي، وهنا يصبح الشاعر بمثابة المراقب الذي يتمعن في سفينة القصيدة ليرى إلى أين ستمضي، وذائقة القصيدة تتعلق بقوتها ومدى تأثيرها في المتلقي، وهذا بدوره يتعلق بمدى قدرة ومهارة الشاعر لضمان وصول القصيدة إلى المتلقي، فالكثير من الشعراء يقولون إنهم يكتبون القصيدة لأنفسهم وليس لأحد، وإنهم لا ينتظرون تقييماً من أحد ولا يهمهم ما يُقال عنها، ولكن في هذه الجزئية شيءٌ من الأنانية، لأن الشاعر مثقف وعليه أن يبذل جهده لوصول منتجه إلى المتلقي، ولتنمية الذائقة في القصيدة فإن المسؤولية تقع على عاتق الشاعر ومدى رغبته في الوصول إلى الشريحة المستهدفة، أما المتلقي، فأعتقد أن ذائقته تختلف طبقاً لعوامل مختلفة، فمنهم من يحب الشعر الفصيح، وهناك من يفضِّل الشعر النبطي، وإلى ما هنالك، وعليه فإن الذائقة تختلف باختلاف أنواع الشعر، كما أن ثقافة المتلقي لها علاقة بتقبله للقصيدة، وهذه الجزئية تلعب دوراً في اختيار نوع القصيدة المفضلة بالنسبة للمتلقي.
توازن
يرى الشاعر خالد الظنحاني أن كُلَّاً من القصيدة والمتلقي يشكلان معاً الذائقة الشعرية، فالشاعر لا يكتب لنفسه فقط، لأنه لو فعل ذلك ستظلُّ كلماته حبيسة الأدراج ولن ترى النور، أما إذا أخرج منتجه للعلن فسيتلقَّفه المتلقي ويتفاعل معه، فإلى جانب بصمته وأسلوبه الذي يميّزه، فإن بإمكان الشاعر خلق ذائقة شعرية للمتلقي، فربما يكون المتلقي قد فقد ثقته إلى حدٍّ ما بالشعر لأسباب كثيرة، كأن يكون الشعر قد خسر شيئاً من قيمته وتأثيره، وعليه فإن خلق ذائقة شعرية متميزة يتطلب وجود نوع من التفاعل، والتأثيرِ والتأثُّرِ بين الشاعر والمتلقي، وبالتالي إيجاد نوعٍ من التوازن في هذا الإطار، وفي المقابل فإن على المتلقي أن يكون واعياً بأهمية الشعر وماهيته، فالقصيدة العمودية مثلاً لا يستطيع الكثيرون قراءتها بالطريقة السليمة، وعليه فإن الشاعر بكتابة القصيدة المميزة والسهلة الممتنعة البعيدة عن الرموز الغامضة باستطاعته خلق هذا التفاعل المطلوب بين القصيدة والمتلقي على الوجه الأمثل، وبالتالي الارتقاء بالذائقة الشعرية.
تخيّل
تؤكد الشاعرة سعاد الطربان أن القصيدة بلا شك تنمو وتنضج من عند الشاعر الذي عندما يكتب فهو بحاجة إلى قارئ يتأمل ويتخيل المعاني، ومن ثم يصدر حكمه؛ حتى أن بإمكانه أن يميز القصيدة الجيدة من سواها، والأمر يعود إلى ذائقته التي تطرب عند قراءتها أو سماعها، وبكل الأحوال قد لا تروق القصيدة للمتلقي أو حتى للناقد، ولكن المتلقي والذائقة الشعرية يكملان مسيرة القصيدة، كما أن باستطاعة الشاعر أن يخلق نوعاً من التفاعل في ما بينهما، فهذه قضية شغلت العديد من النقاد والشعراء منذ العصر العباسي، ولكن بالمحصلة فإن المسألة تعود إلى الذوق الشخصي لكل متلقٍ.
سنوات التكوين الأولى
يقول الشاعر كريم معتوق إن الذائقة الشعرية تتكون عند الإنسان منذ سنوات دراسته الأولى، فنجد من يحب الشعر، ومن لا يحبه أيضاً، فإذا أخذنا من أحبوا الشعر فإن طبيعة التكوين الأولي قد تآلفت مع القصيدة العمودية، وما عدا ذلك لم يكن يشكل جانباً ذوقياً في تقبلهم للشعر، ولكن الشعر ليس القصيدة العمودية فقط، فهناك قصيدة التفعيلة مثلاً، فضلاً عن تجارب كثيرة مغايرة، كما أن هناك الشعر الشعبي الذي يأخذ مكانته من الأغاني، حيث يعتبر المادة الخام للغناء بشكل عام في الوطن العربي، ولكن الشاعر القادر على صياغةِ نصه بما يتناسب مع ذائقة الجمهور، هو الشاعر الذي يحظى بالريادة بغض النظر عمَّا يختاره من نهج أو أسلوب.
لو تحدثنا عن الشاعر نزار قباني كمثال، فقد اختار منذ ديوانه الأول (طفولة نهد) الجرأةَ وسيلةً للوصول إلى القارئ، فكتب الغزل بجرأة، وبعد نكسة عام 1967 كتب قباني الشعر السياسي بذات الجرأة، فاستطاع الاستحواذ على الشريحة الكبرى من المتذوقين للشعر في الوطن العربي، وما عدا تجربة نزار فإن الشعراء كلٌّ حسب اجتهاده وحسب وعيه لما يريده المتلقي، كتبَ قصيدته، فأصبحت هناك شريحة تسمى النخبة تتذوق شعراً نخبوياً معيناً لشعراء نخبويين، وهناك شريحة أخرى أخذت القصيدة نحو البساطة والفكاهة والتندر.