أي ديموقراطية سننتقل إليها؟

04:05 صباحا
قراءة 4 دقائق
د. علي محمد فخرو

من سخريات القدر أنه في الوقت الذي خرجت فيه الملايين من جماهير الشعب العربي، في شوارع شتّى مدن العرب؛ لتطرح شعارات الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وشفافية ونزاهة إدارة مؤسسات الحكم؛ أي في مجملها شعارات الديموقراطية.. في هذا الوقت نفسه تعالت أصوات وكتابات كثيرة غاضبة في مختلف بلدان الغرب، منتقدة بشدة إخفاقات وفضائح الديموقراطية في بلدانهم. أن نرى عناوين من مثل «الديموقراطية وأزمتها» للكاتب البريطاني أ. س. جريلنج، ومن مثل: «كيف تموت الديموقراطية» للكاتبين الأمريكيين ستيفن لفتسكي ودانيال زبلات، ومن مثل «التراجع الكبير» للكاتب الفرنسي جاك جنرو، فإنها دلالات على نمو هلع عميق بشأن تشقّق وترهل النظام الديموقراطي في بلدان الغرب. نحن هنا نذكر أصواتاً ترتفع في أهمّ بلدان الغرب الديموقراطية؛ من حيث وضع الأسس الفلسفية النظرية للديموقراطية، ومن حيث بناء نماذج لمؤسسات وممارسات الديموقراطية، كما عرفها العالم عبر عدة قرون.
ما أثار تلك المخاوف في أمريكا هو نجاح دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة لا بأغلبية أصوات المواطنين الناخبين، وإنما بأغلبية أصوات هيئة انتخابية من مندوبي الولايات، وهي أصوات تتأثر بضغوط أصحاب المال والهيمنة والنفوذ في داخل أمريكا وخارجها؛ بل ويمكن شراء بعضها وهكذا سمح النظام الديموقراطي لرجل نرجسي، مرتبط بمصالح أصحاب الثروة، أن يستولي على مركز سياسي بالغ الأهمية لأمريكا وللعالم كله، الأمر الذي اعتبر دليلاً على تراجع في شفافية ونظافة وعدالة العملية الانتخابية برمّتها.
وما أثار الهلع في بريطانيا هو نظامها السياسي الديموقراطي الذي سمح للحكومة أن تكون أقوى من البرلمان، كما ظهر واضحاً في مناقشات الخروج من الإتحاد الأوروبي ( بريكست)؛ حيث تجاهلت أصوات 48% من الأصوات المعارضة للخروج.
وما أثار الهلع في فرنسا هو الصعود المذهل لليمين المتطرف المتنكر للمبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية، والمعادي للأقليات، والمطالب بتغييرات غير ديموقراطية في العديد من القوانين.
وماجعل ذلك الهلع مضاعفاً هو فشل المؤسسات الديموقراطية المدنية والرسمية في تلك البلدان في السيطرة على الممارسات المتوحشة للرأسمالية النيولبرالية، من اتساع الفجوة ما بين الفقراء والأغنياء، وإضعاف النقابات، وهيمنة المال وأصحابه على الحياة السياسية ومكونات الرأي العام.
والواقع أن الثغرات التي يذكرها هؤلاء الكتّاب وغيرهم كثيرة جداً، لا يسمح المجال لذكرها؛ ولكنها ثغرات خطرة تستدعي مراجعة الموضوع الديموقراطي برمّته، وعلى الأخص أنظمة الانتخابات واتخاذ القرارات؛ وذلك لإبعادها عن الهيمنة والبيع والشراء من قبل مؤسسات المال من جهة، وعن الصّراعات العبثية غير الشريفة ما بين الأحزاب من جهة أخرى.
ما يعطي أهمية لمتابعة مناقشات الموضوع الديموقراطي في بلدان الغرب الديموقراطية هو أننا يجب، ونحن نحاول الانتقال إلى النظام الديموقراطي في بلاد العرب، ألا نبدأ من حيث بدأوا، وندخل في دوّامة نفس الأخطاء، وإنما نحتاج إلى أن نبدأ من حيث انتهوا؛ لنتجنّب سوءات تلك الأخطاء.
لنأخذ مثالاً واقعياً واحداً يوضّح الإشكالية في ممارسة الديموقراطية في أغلب بلدان الغرب الديموقراطي. إنها إشكالية نجاح من يحصل على أعلى نسبة من أصوات الناخبين الموزعة بين المتنافسين. فلو أن ستة مرشحين تنافسوا على مقعد واحد في دائرة انتخابية، وحصل كل واحد من خمسة من هؤلاء على 15% من أصوات الناخبين الإجمالية، بينما حصل السادس على نسبة 25% من الأصوات، فإن المقعد يعطى لهذا السادس على الرغم من أن 75% من الناخبين لم يصوتوا له ولم يرغبوا في انتخابه. فهل يعقل تجاهل أغلبية الأصوات التي لم يحصل عليها المرشح المنتخب؟ وفي هذه الحالة هل حقاً أن الذي سيجلس في البرلمان كممثل عن تلك الدائرة يمثل حقاً أغلبية سكان تلك الدائرة؟ وبالطبع لايمكن اعتبار تلك العملية ديموقراطية؛ لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار بأن الأغلبية لم يصُوتوا للمرشح الناجح.
لكن الأخطر من الإشارة إلى تلك النقاط الإجرائية من قبل مثل هؤلاء الكتّاب، هو نعيهم لموت روح ممارسة الديموقراطية في الغرب. ما عادت الأحزاب تتنافس بشرف وأريحية، وإنما هي في حروب الإماتة لبعضها البعض، واجتثاث خصومها من الوجود، وما عادت الشفافية متوفرة في عملية الانتخابات، وما عادت القوانين والأنظمة تضبط حدود كميات الأموال التي يحصل عليها المرشحون من الأغنياء وما يعنيه هذا من بيع وشراء للذّمم والمواقف، وماعادت المناقشات السياسية تحكمها منطلقات الديموقراطية من تسامح وعفّة لسان وتقبّل للرأي الآخر. إنهم بمعنى آخر ينعون موت روح ومبادئ الديموقراطية في مؤسسات المجتمع وعقل الأفراد وإنتقالها التدريجي؛ لتكون نوعاً من الأوتوقراطية المقنعة المضللة.
إذاً نحن نتطلع للانتقال من وضع الاستبداد الذي عشناه لقرون في بلاد العرب إلى وضع نور الديموقراطية، نحتاج أن نتأكّد من غياب الظلال ومصادر الظلام الخفيّة فى ساحات النور تلك..هذا موضوع يحتاج الشباب أن يعوه جيداً، ويتعمقوا في كل جوانبه.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yynpzdd7