د.نورة صابر المزروعي

إن ولادة الموسيقى ترجع في الأصل إلى علاقة الإنسان بالطبيعة التي يعيش فيها ويتأثر بكل ما تحويه من جمال. فقد كان الإنسان دائم الاتصال بالطبيعة التي تحيط به وتصدر أصواتاً كزخات المطر، الرعد، البرق، العواصف والرياح، الزلازل والبراكين، الأشجار، الطيور، الحيوانات وحركة المد والجزر في المحيطات، يقول توماس كارسل «انظر بعمق إلى الموسيقى، إن قلب الطبيعة في كل مكان هو موسيقى».
كانت علاقة الإنسان بالطبيعة في الأزمنة الغابرة مبنية على تزويده بطاقات كونية هائلة واستلهامات فكرية عظيمة. فالطبيعة تشمل كل العوامل التي تجعل الحياة الداخلية للإنسان هادئة وسليمة. لقد تأمل الإنسان في ذاته فاكتشف النغم من خلال حنجرته. فلم يكتفِ بالتنغم؛ بل بدافع الحب وجمال الطبيعة أراد اختراع أدوات مستوحاة منها لتصدر أصواتاً لها وقع في النفس البشرية. فإذا كانت أصوات العصافير والطيور المغردة تريح النفس وتثير بها البهجة فلم لا يُصنع آلة تحاكي تلك الأصوات؟ وإن كانت هناك أصوات تثير الرعب فلماذا لا تترجم تلك الأصوات في آلات صوتية لغرض تخويف الأعداء في الحروب؟.
إن أقدم آلة موسيقية اكتشفت في كهوف ألمانيا يرجع عمرها إلى 43 ألف سنة تشبه آلة الناي المصنوعة من العظام وتحتوي على خمس فتحات استخدمت لأغراض عديدة ومن بينها تنظيم حركة سير المواشي. ومعظم الآلات الموسيقية صنعت من عناصر الطبيعة فمثلا آلة القانون كانت مصنوعة من جلود الماعز والسمك والأرانب، وأخشاب مستمدة مثل: الزان، وتزين بالأصداف وتصنع أوتارها من أمعاء الحيوانات وتزخرف بالنقوش الدقيقة وتنحت أخشابها لتظهر في أجود وأجمل هيئة.
تلك الآلات تعبر عن تأصل جمال الصوت والموسيقى في النفس البشرية. يذكر سامي الموصلي أن الإنسان البدائي «أخذ بآلاته يتحدث بكل لغات الطبيعة وأصواتها فهو ينوب عنها في التأثير على البشر وعلى الطبيعة نفسها».
لم يخلق البشر ليكونوا عازفين ولكن وجّهتهم الطبيعة إلى ذلك. ينظر الفلاسفة إلى الأصوات التي تصدرها الآلات الموسيقية بأنها أصوات تخاطب روح النفس البشرية والتي تعد منطلق الأسرار الكامنة. يقول الفيلسوف أشبنجلر: «الموسيقى لها قدرة أن ترتقي بالإنسان ليتجلى إلى العالم الروحي»، ويذكر الإمام الغزالي في كتاب «إحياء علوم الدين»: «الأصوات تترك تأثيراً عميقاً في النفس البشرية منها ما يثير الفرح ومنها ما يشجي النفس ومنها ما يضحك ويطرب». والإنسان العليل في الموروث العربي من لم يهزّه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، وهو فاسد المزاج ليس له علاج.

[email protected]