أفكار متعجلة

03:47 صباحا
قراءة دقيقتين
علاء الدين محمود

هجوم كبير يتعرض له الفيلسوف السلافي سلافوي جيجيك، في الوسط الفكري والفلسفي والصحف في الغرب، بسبب طرحه لأفكار قيل إنه لم يخضعها للتمحيص والبحث المتأني، كما هو متبع في الحقل الفلسفي، ولعل من أشهر المعارك التي خاضها النقاد والفلاسفة ضد الرجل، تلك المتعلقة بتصريحاته في مقالات متعددة عن أن مرض كورونا من شأنه أن يشكل نهاية للعولمة، ويؤسس لفكر جديد يتحرر من ثقافة الاستهلاك ويناهضها، وقد اعتبروا أن تلك الآراء لجيجيك تعبر عن موقف متعجل، خاصة أنها قد جاءت في بداية الجائحة، فهي لا تنتمي لتقاليد الفلسفة، التي لا تنظر إلى الظاهرة في كل أوجهها وبعد مرور وقت من حدوثها، لكون أن «كورونا»، قد تكون أزمة عابرة، أو ذات تأثير محدود، أو ربما لها أثرها العميق في البشرية ككل، وليست على نظام فكري وسياسي وثقافي.
ووصف بعض النقاد جيجيك بالمندفع، وقد قارنوا موقفه هذا بآراء لفلاسفة آخرين مثل الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، صاحب مؤلف «الحياة العارية»، والذي تعامل مع الجائحة، في حدود أنها مرض يهدد كل البشرية وليست الأفكار أو الرؤى الأيدلوجية، وذلك عندما ذكر أن «كورونا»، تشكل أكبر تهديد للأمن البشري منذ الإنفلونزا الإسبانية قبل قرن من الزمان، وأن على البشر العودة لحياة مختلفة تحترم فيها البيئة، وعلى ذات النهج ذهب كثير من الفلاسفة والمفكرين، دون أن يؤسسوا ل«نهايات»، مستمدة من التأمل في الجائحة.
السخرية من جيجيك كانت مريرة في الوسط الفلسفي والفكري، عندما ذكر البعض أنه قد جعل من «كورونا»، مرضاً أيديولوجياً؛ بل وشبهوا رؤاه حول الجائحة ككل بأنها تمثل صورة كاريكاتورية، فهي قد تصلح لفكرة عمل مسرحي أو درامي أو أدبي، لكنها لا تنتمي لمواضيع الفلسفة التي تخضع الأفكار لمختبر قاسٍ، وتأمل عميق؛ حيث أن الجائحة تقتل الملايين بلا تمييز بين فقراء وأغنياء، فهي داء متجاوز لفكرة الطبقات والثقافات.
بعض الكتاب وصفوا جيجيك بأنه نجم «روك»، الفلسفة في الإعلام الغربي؛ أي الفيلسوف الذي يحب الظهور على طريقة نجوم الفن، فهو يضع إجابة عن كل سؤال، وتحليلاً لكل واقعة، وتفسيراً لكل ظاهرة، وهو الأمر الذي قد يخصم كثيراً من قيمة رؤاه الفكرية والفلسفية.
تصريحات جيجيك حول كورونا، أعاد للأذهان تلك الكلمات القاسية التي أطلقها في حق اللاجئين عندما صرح بوجود اختلاف ثقافي يجعل بعضهم غير قادر على التوافق مع القيم الأوروبية، وذلك في قوله: «من الواجب الحديث صراحة عن بعض المشكلات الثقافية، وعن تباينات موجودة في صفوف اللاجئين، فبعضهم ينحدر من الطبقات الوسطى والمتعلمة، لكن يبدو أن أغلبهم غير منسجم مع المفهوم الغربي لحقوق الإنسان»، وبالطبع فإن تلك الآراء قوبلت بنقد كبير من مفكرين أوروبيين وصفوا تصريحات الرجل بأنها غارقة في مفهوم المركزية الأوروبية.
بل ووصل الحد بالبعض إلى وصف أفكار جيجيك، بالساذجة وغير المتعمقة، وتقطع مع تقاليد كرس لها فلاسفة كبار في العصر الحديث.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4xdf9vs