معوقات النهج الديمقراطي

03:37 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. علي محمد فخرو

موضوع الانتقال إلى الديمقراطية في بلاد العرب يحتاج إلى مراجعة بين الحين والآخر بسبب التغيرات السياسية الكبيرة التي لها تأثيراتها في هذا الموضوع الحساس.
لقد طرح هذا الموضوع كبار المصلحين العرب منذ أكثر من قرنين، خصوصاً بعد الغزوة النابليونية لمصر، واحتكاك العرب المباشر مع حضارة ومجتمعات الغرب الأوروبي. وعبر قرنين ظل الموضوع يراوح بين شد وجذب ونقاشات لا نهاية لها. لكن طرح الموضوع وصل إلى زخمه منذ نحو ربع قرن، عندما نوقش في عشرات المؤتمرات وفي مئات المؤلفات الرصينة، وعندما أنشئت مراكز متخصصة في الموضوع الديمقراطي من أجل ترسيخ المفاهيم والمنهجيات الديمقراطية في الحياة الثقافية والسياسية العربية.
في تلك المناقشات التي عقدت منذ ربع قرن جرى استعراض العوامل المجتمعية والسياسية والظروف الإقليمية التي قد تعيق الانتقال إلى الديمقراطية، ووضعت تصورات عن نوع الديمقراطية المطلوبة في حدها الأدنى. حتى ذلك الحين تركزت عوامل الإعاقة للانتقال إلى الديمقراطية المماثلة لديمقراطيات الغرب في حقلين: السياسة والثقافة.
أما العوائق السياسية، فاشتملت على الأنظمة العسكرية التي حكمت العديد من بلدان العرب، وأنظمة حزب الحكم الواحد الشمولية المتأثرة بالنظام السياسي الشمولي في الاتحاد السوفييتي، وضعف مؤسسات المجتمع المدني الحزبية والنقابية والمهنية، وتركيبات الدولة التقليدية ، وانتشار وقبول شعارات من مثل «لا صوت يعلو على صوت المعركة» ضد الاستعمار أو المعركة ضد الصهيونية، وترسبات تاريخ الاستبداد الطويل في الحياة العربية، وأخيراً في صراعات النخب في ما بين التي قادت الحراكات الوطنية من أجل الاستقلال وبين التي خرجت من رحم الثورات والانقلابات.
أما العوائق الثقافية، فتمثلت في مبدأ الطاعة الفقهي الشهير الذي لا يجيز الخروج على ولي الأمر إلا تحت شروط تعجيزية، وفي المماحكات السياسية حول كلمتي الشورى الإسلامية والديمقراطية العلمانية، وفي هيمنة قيم وسلوكيات وفكر المجتمع البدوي والقروي في فضاءات ومدن وعواصم العرب الرئيسية، وفي وجود قوى إسلام سياسي كبير لا تريد أن تضيف إلى شعاره الشهير القائل: «إن الإسلام هو الحل» أي شعار عصري آخر تتطلبه الظروف العربية المتجددة.
كانت تلك عوامل ثقيلة ومعقدة، مرهقة لمن يريد مواجهتها. وما كان بالحسبان أنها ستصبح أكثر وأعقد وأثقل بفعل التغيرات الهائلة التي اجتاحت الوطن العربي في العشرين سنة الأخيرة.
ذلك أن الساحة السياسية العربية ما عادت مقتصرة على حكومات وأحزاب. فالحراكات الجماهيرية قادها الشباب غير المنتظم في أحزاب، وهو ما جعل للتنظيمات الشبابية غير الحزبية حضوراً فاعلاً. والتنظيمات الجهادية العنفية الإسلامية المتزمتة المرتبطة بجهات حكومية واستخباراتية خارجية وداخلية أصبحت لها تأثيراتها الهائلة في الكثير من المجتمعات. وتمكن دول إقليمية مثل إيران وتركيا من فرض نفسها قوى مؤثرة في عدد من الأقطار العربية عقّد الحياة السياسية العربية برمتها. والصعود المذهل للنفوذ والتواجد الصهيوني ينبئ بأن حكومات الكيان الصهيوني والموساد سيلعبان أدواراً مستقبلية مدمرة. وهوس الأغلبية الساحقة من الحكومات العربية بالموضوع الأمني على حساب كل موضوع مجتمعي آخر جعلها في عداوة وجودية مع أي ممارسة ديمقراطية حقيقية، إلا إذا كانت شكلية مزيفة.
وفي الساحة العالمية برزت عوامل مؤثرة جديدة. فالثقافة العولمية المرتبطة بالنيولبرالية الرأسمالية أدخلت الملايين من الشباب العربي في عوالم الاستهلاك النهم والفردانية غير الملتزمة بالخير العام، وبذلك أضعفت وعيهم السياسي وسطّحته. ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة طيعة في يد من يريدون التلاعب بالأفكار والمشاعر، وتوجيه الجمهور نحو الوجهة التي تخدم مصالح أصحاب المال والنفوذ والهيمنة. وإذا كانت جهات مشبوهة قد استعملت تلك الوسائل، ونجحت في التأثير في نتائج من مثل الانتخابات الأمريكية الأخيرة، ونتائج استفتاء الرأي العام الإنجليزي بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي، وذلك على الرغم من كل وسائل الرقابة الإعلامية والحكومية في البلدين، فإن الإنسان يمكن أن يتصور الدور الهائل الذي ستلعبه مستقبلاً في الحياة السياسية العربية سلباً وإيجاباً، وهو ما سيجعلها أحياناً أداة لتزييف أي انتقال ديمقراطي.
لقد وصفنا في مقال الأسبوع الماضي القلق الذي يساور مجتمعات الدول الغربية الديمقراطية من جراء وجود نقاط ضعف وترهل وأزمات في مسيرتهم الديمقراطية. وحاولنا اليوم إبراز التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية، والتي قد تكون لها تأثيراتها السلبية والإعاقية على محاولات الانتقال إلى الديمقراطية في أرض العرب. هل هذا يعني التخلي عن هدف الانتقال إلى ديمقراطية سياسية واقتصادية معقولة وعادلة، ولو كانت تدرجية؟ أبداً، العكس هو الصحيح.
فموضوع الديمقراطية أصبح قضية وجودية في حياة العرب، وهو ما يحتم أن يدخل الشباب العربي في مناقشته بتمعن شديد حتى يحيدوا العوامل المجتمعية التي ستظل تحاول أن تجعل من الديمقراطية نهجاً سياسياً مظهرياً ومزيفاً لا يقدم ولا يؤخر. وسنتابع طرح هذا الموضوع للنقاش.

[email protected]

عن الكاتب

شغل منصب وزير الصحة ووزير التربية والتعليم سابقاً في البحرين. متخصص في كتابة مقالات في شؤون الصحة والتربية والسياسة والثقافة. وترأس في بداية الألفين مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث. كما أنه عضو لعدد من المنظمات والمؤسسات الفكرية العربية من بينها جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y64zcpkf