عادي
واحدة من روائع أدب المهجر

«المواكب» لجبران.. عناقيد الحنين تتدلى من قصيدة

02:32 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: أوميد عبد الكريم إبراهيم

كانت مشاعر الشوق والحنين، والحزن والكمد؛ سمات مصاحبة؛ بل وطاغية على أشعار وقصائد شعراء المهجر، وباتت أشبه بانعكاس لتجاربهم الذاتية التي حوَّلوها إلى كلمات عذبة، وأخرى مؤلمة، وبغض النظر عن الظروف التي دفعتهم إلى هجران أوطانهم، فإن الغربة كان لها دور رئيسي في ماهية التشكيل الشعري لدى أولئك الشعراء، فمن المعلوم أن «الشاعر ابن بيئته»، وبالتالي فإن الحنين إلى حضن الوطن؛ أو حتى إلى الأحبة؛ ظلَّ ملازماً لهم على الرغم من تسرّب الغربة إلى تلافيف وجدانهم.
يُطلق مصطلح «شعراء المهجر» على نخبة من مثقفي بلاد الشام الذين هاجروا إلى الأمريكيتين «الشمالية والجنوبية» في الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين، وهناك أسس عدد منهم كلَّاً من «الرابطة القلمية» و«العصبة الأندلسية»، وقد ترك هؤلاء إرثاً أدبياً هائلاً لا يزال إلى يومنا هذا مادةً دسمة للدراسات والأبحاث، ومحوراً رئيسياً للمناهج التعليمية؛ من ضمنهم الشاعر والأديب اللبناني الكبير جبران خليل جبران «1883 - 1931» الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أسس «الرابطة القلمية» مع عدد من كبار المثقفين.


أعماق الطبيعة


نظَّم جبران شعرهُ وكتب أعماله الأدبية في الغربة كباقي شعراء المهجر، وكان الهدف من «الرابطة القلمية» التي شارك الشاعر اللبناني في تأسيسها هو «تجديد الأدب العربي وإخراجه من المستنقع الآسن» كما يقول الكاتب اللبناني إسكندر نجار في كتابه الذي يحمل اسم «جبران خليل جبران»، وقد حققت الأعمال الأدبية لجبران المرتبة الثانية من حيث حجم المبيعات في الولايات المتحدة بعد الشاعر الإنكليزي الكبير وليام شكسبير، والفيلسوف الصيني لاو تسي؛ من ضمنها قصيدة «المواكب» التي صدرت في عام 1919.
كان حب الحياة من أبرز الجوانب التي ميَّزت أعمال جبران الأدبية؛ على رأسها قصيدة «المواكب» التي تغلغل الشاعر اللبناني من خلالها إلى أعماق الطبيعة التي كان يعتبرها سرَّ السعادة الغامرة للإنسان، ونموذجاً مثالياً لعالمٍ خالٍ من الشر والخداع، وقد اختار جبران اسم «المواكب» عنواناً لقصيدته الطويلة في إشارة إلى ما أسماها «الجموع البشرية التي ضلَّت طريق السعادة والفرح»، وفي هذه القصيدة يدعو جبران الآخرين إلى اللجوء إلى أحضان الطبيعة بصفائها ونقائها الخالي من الزيف والتصنّع، ويقول في جزء منها:

ليس في الغابات راعٍ

                    لا ولا فيها القطيعْ

فالشتا يمشي ولكن

                  لا يُجاريهِ الربيعْ

أعطني النايَ وغنِّ

                فالغنا يرعى العقولْ

وأنينُ الناي أبقى

                من مجيدٍ وذليلْ

أصابع الدهر

أَولى جبران اهتماماً بالغاً بقصيدة «المواكب»، وطبعها في كتاب كبير ومستقل تُزيِّنه بعض الرسوم الرمزية، وتتألف هذه القصيدة الطويلة من ستِّ مقطوعات بواقعِ 203 أبيات تتنوع مواضيعها بين الحب، السعادة، العدل، الخير، الطبيعة المثالية، ووصف جمالِ موطنهِ لبنان؛ كما تتكون القصيدة من ستة مقاطع؛ كلٍّ مقطعٍ يتألف من ثلاث مراحل، وقد نظَّم جبران هذه القصيدة في وزنين مختلفين، وهما الرَّمَل، والبسيط، ويختلف المقطع السادس عن باقي المقاطع من حيث التركيبة اللفظية والبنية، وكذلك الوزن والقافية.
في الجزئية المتعلقة بالخير في قصيدة «المواكب»؛ يرى جبران أن الشرَّ متأصل في نفوس بعض البشر، وأن هؤلاء لا يقدِّمون الخير إلا إذا كانوا مجبرين، ويشير كذلك إلى أن النفوس الضعيفة يتلاعب ويعبث بها الزمن ويغِّيرها كيفما شاء، ويدعو الشاعر اللبناني الناس إلى التواضع وعدم الانجرار خلف المظاهر الخدَّاعة؛ كما يحذرهم من أن يتحولوا إلى قطيع يسير خلف راعيه دون أن يكلِّف نفسه عناء التفكير، وها هو جبران يقول في جزء آخر من قصيدته:

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا

                              والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا

وأكثر الناس آلاتٌ تحركها

                              أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ


عدالة


يبالغ جبران في وصفه لمنظومة العدل التي تأسست على يد البشر، ويرى أن العدل الذي يقيمه الإنسان هو «عدل ظالم»، ويُرجع السبب إلى أن مثل هذا العدل يُطبق فقط على الضعيف الذي لا عون ولا سند له؛ أما القوي فيمكنه القفز فوق هذا العدل مهما ارتكب من أخطاء وتجاوزات، ويقول جبران إن عدل الإنسان زائفٌ وزائلٌ كالثلج الذي تُشرق عليه الشمس فلا يعود له أي أثر لأنه بالأساس مبني على أرضية رخوة.
وفي ذات الجزئية المتعلقة بالعدل في قصيدة «المواكب» لجبران؛ يلجأ الشاعر اللبناني إلى الاستشهاد بالطبيعة، ويرى أنها أكثر عدلاً من الإنسان ومن قوانينه الوضعيِّة الجائرة، لأنها لا تتدخل في شؤون الآخرين ولا تسنُّ قوانين بحسب أهوائها لمحاسبة الناس على أفعالهم التي لا تتسق مع أهواء من وضعوا تلك القوانين، ويقول الشاعر اللبناني في جزء من القصيدة:

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا

                                     بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا

                                    والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ

                                 وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر


أحضان الوطن


خصَّ جبران وطنه الأم لبنان بجزء خاص من قصيدة «المواكب»، وفيه يتخيل نفسه بين أحضانها يعانق جبالها ويحتضن روابيها، وفي هذه الجزئية أيضاً يدعو الشاعر اللبناني الناس إلى هجر الحياة الزائفة في المدن، والتوجه صوب الطبيعة والاستمتاع بسحرها وألقها، ولكنه في الوقت ذاته يعترف بصعوبة تحقيق ذلك نتيجة التعقيدات التي شابَت حياة البشر، وهنا يصف جبران أحضان وطنه قائلاً:

هل تخذتَ الغاب مثلي

                   منزلاً دون القصورْ

فتتبعتَ السواقي

                 وتسلقتَ الصخورْ

هل تحممتَ بعطرٍ

                 وتنشَّقت بنورْ

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"