يرى العراقيون بصورة عامة أن الشاعر الكبير محمد سعيد الجواهري، «1899 -1997» امتداد حقيقي للمتنبي؛ وذلك للمكانة الكبيرة التي احتلها في قلوبهم، فأطلقوا عليه الكثير من الألقاب التي تبرز محبتهم له، مثل: شاعر الجمهورية، ونهر العراق الثالث، وشاعر العرب الأكبر، وعلى الرغم من التزامه بعمود الشعر التقليدي القديم؛ فإن الرجل من كبار المجددين على مستوى المعاني، وتوظيف الألفاظ واشتقاقات اللغة، الأمر الذي أكسبه جمالية خاصة ذات عبق أصيل، وجزالة في اللغة والتعابير.
ربما يعود ذلك لنشأته في بيت أدب وعلم في مدينة «النجف»، ولعل من أهم ما يثبته شعر الجواهري، ليس في تحرره من النمط القديم في الشكل الشعري، أو الانتماء إلى الجديد؛ بل في الإجادة نفسها والبراعة والإبداع الحقيقي، أو كما يقول الأديب الروماني إميل سيوران: «إن المهم هو اللغة، والكلمات، والكتابة، وليست الأقبية والأنماط».. وهذا ما يميز شعر الجواهري، فالشكل المحافظ أو التقليدي الذي اتبعه كوعاء حامل لخطابه الشعري، تفجر في كثير من الأحيان على الأوضاع الاجتماعية والعادات والتقاليد، وحمل رؤى جمالية وفكرية معاصرة حول كثير من القضايا، عاش الجواهري مهاجراً مشرداً، وتوفي خارج العراق في العاصمة السورية دمشق، ولعل ما لا يعلمه الكثيرون أن الجواهري قد اشتغل طويلاً في مجالات التعليم والصحافة، وأصدر العديد من الصحف: «الفرات» و«الرأي العام». وغيرهما.
متنبي العصر
حق لمعجبي الجواهري أن يقارنوا بينه والمتنبي، فقد كان الرجل من أشد المعجبين بأبي الطيب؛ بل هو درس ديوانه وحفظه عن ظهر قلب، إلى جانب دراسته المتعمقة في اللغة العربية نحواً وأدباً، وله دواوين شعرية تظهر تأثره بالشعراء الأقدمين، وضمت معارضات للسان الدين بن الخطيب، وابن التعاويذي، وكذلك شعراء معاصرين كتبوا على القصيدة العمودية والتفعيلة مثل: أحمد شوقي وإيليا أبي ماضي، فكان من الطبيعي أن يحتل تلك المكانة الكبيرة من موقع القلب في تاريخ الشعر العربي، ومن يطالع شعره يلاحظ الحب العظيم الذي حمله لبلده العراق، فذكره شوقاً، ووجداً، وتفاعلاً، وانفعالاً بقضاياه وتاريخه، فكانت معالمه بمثابة نجوم زاهرة تطوق جيد قصائده، وتلمع متلألئة في سفر ديوان العرب، فقد تغنى بحقولها وسهولها وجبالها وأنهارها، وما يزال الناس يرددون معه جيلاً بعد جيل:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطين
يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه
على الكراهة بين الحين والحين
إني وردت عيون الماء صافية
نبعا فنبعا فما كانت لترويني.
وهناك تلك القصيدة التي يرددها شباب العراق، وتتنبأ بظهور جيل جديد يحمل هم الوطن ويحقق أحلامه، ويقول فيها:
سينهض من صميم اليأس جيلٌ
مريدُ البأسِ جبارٌ عنيد
يقايضُ ما يكون بما يُرَجَّى
ويَعطفُ ما يُراد لما يُريد.
ويلاحظ في شعر الجواهري، تعدد الأغراض والموضوعات، في الغزل والمدح والمناسبات الوطنية والعامة، والتجارب الشخصية، وكذلك الإخوانيات، ولم يتأثر كثيراً بالتيارات والمدارس الشعرية والأدبية الغربية، التي استقبلها العالم العربي، وانتمى إليها عدد من شعراء عصره، لكن التمكن من اللغة العربية وتصاريفها واشتقاقاتها، كان هو التعويذة التي أكسبت أشعاره سحراً خاصاً، ما يزال شذاه يفوح بين الناس فيعطر مجالسهم وأوقاتهم، فيرددونه في كل حين.
قلادة
وتعد قصيدة «قد أسرى به الأجيال»، من بدائع أعمال الجواهري، فهي دفقة شعورية قفزت من وجدانه لتعانق قلوب محبيه، وبوح هامس شفيف محتشد بالشجن، لكنه في ذات الوقت ينطق بالحكمة، فالشاعر يقف موقف الذي تقدم به العمر متأملاً ومتأسياً على الزمان الذي مضى، وتفرق الأحباب، فيلومهم في عتاب لطيف، ويشكو المعاناة والوحدة، وخطوط الزمان التي ارتسمت على وجهه، لكن بدائع وفرائد اللغة والبلاغة والمجاز والتشبيهات، تجعل من القصيدة نصاً جمالياً حافلاً بالموسيقى والإيقاع، ومعزوفة تفيض عذوبة ورقة، والشاعر يظهر وجله من فكرة الفراق وحبه للحياة، ويتمنى عودة أزمان ومشاهد كحلت ناظريه، ولقاء أحبة فرقتهم الأيام، حيث يقول:
لقد أسرى بيَ الأَجلُ، وطُولُ مَسيرةٍ مَلَلُ
وطُولُ مَسيرةٍ من دون غايٍ مَطمحٌ خَجِلُ
على أنّي - بأن يَطوي غدٌ طُولَ السُّرى - وَجِلُ
تَمَاهل خَطوُهُ صَدَداً، وعُقبى مَهلِهِ، عجل
وخُولِطَ سيره جَنَفاً، كما يتقاصر الحَجَلُ
اقول ورُّبما قول ٍيُدّلُ به ويُبتهلُ
ألا هل تُرجِعُ الأحلام ما كُحِلت به المُقَلُ؟
وهل ينجاب ُعن عينّي ليلٌ مُطبِقٌ أَزَلُ
كأن نجومه الأحجار في الشطرنج ِتنتقلُ
يُساقط بعضها بعضاً، فما تنفّك تقتِتلُ
وبعد هذا الاستفهام الذكي الجميل البديع وما فيه من حكمة، ينتقل الجواهري إلى مخاطبة الأحباب والأصدقاء سواء من تواصل معهم، أو من تقطعت بهم السبل وشغلتهم الحياة، فيهديهم تحاياه وأشواقه، على الرغم من بعد المسافات وتبدل الديار.. ولننظر إلى تلك الجماليات في تكراره لكملة «سلام»، في الأبيات الأخيرة، فهي تحية مودع مفارق يحمل الحب للناس والأوطان، وهي وداعية مشحونة بالحزن والشجن والجمال.
ويا أحبابي الأغنين من قَطعوا ومن وَصلوا
ومن هم نُخبةُ اللّذاتِ عندي حين تُنتَخَلُ
هُمُ إذّ كلُّ من صافيت مذخورٌ ومنُتحلُ
سلام ٌ كله قُبَلُ، كأنَّ صميمها شُعَلُ
وشوقٌ من غريبِ الدارِ أعيت دُونَه السُّبُلُ
مُقيمٌ حيث يضطرب المُنى والسعي والفشل
وحيث يُعارك البلوى، فتلويه ويعتدل
وحيث جبينه يَبَسٌ، وحيث جِنَانه خَضِلُ
وإذ نَضُبت أفاويقُ الصِّبا فهباتها وَشَلُ
سلام ٌ من أخي دَنَفٍ تناهت عِندَهُ العِلَلُ
وحيد ٌغير ما شَجَن ٍ بلوح الصدرِ يعتملُ
وذكرى مُرةٌ حَليِت بها أيامنا الأُوَلُ
وحيدٌ بالذي غنى وساقَ يُضرَبُ المَثلُ
وفيما قال من حَسَنٍ وسِيءٍ يكثُرُ الجَدَلُ
سلاماً أيها الثاوونَ إنّي مُزمِعٌ عَجِلُ
والقصيدة تفيض بحس إنساني رفيع، يقف فيها الشاعر مودعاً حيث تنثال الذكريات، وتتداعى حين يتلفت القلب إلى زمن الصبا الباكر، وإلى مراتع ضمته بالأحبة، هي قصيدة وداعية، ولقد كانت بالفعل من آخر ما قاله الجواهري قبل أن يودع الفانية في دمشق، عام 1997 عن عمر 98 عاماً.