أدى تفشي جائحة فيروس «كورونا» إلى تداعيات ألقت بظلالها على مختلف مفاصل حياتنا، ولم يكن أحد حصيناً من آثارها الكبيرة التي غيرت جذرياً أسلوب عيشنا. ويعد الأطفال من بين أكثر الشرائح الاجتماعية تضرراً منها؛ حيث وجدوا أنفسهم مجبرين على البقاء في منازلهم، وبعيدين عن مدارسهم وزملائهم، ويتلقون تعليمهم عبر الإنترنت. وقيّدت الجائحة الكثير من النشاطات الترفيهية التي اعتادوها، فكانت شاشات الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب ووحدات الألعاب، مثل «البلاي ستيشن» وغيرها، ملاذهم الوحيد للترويح عن أنفسهم أثناء بقائهم في المنزل.
ولم يكن هناك مفر لأولياء الأمور من تخفيف ضوابط استخدام هذه الأجهزة، بعدما اعتادوا وضعها لأطفالهم، حفاظاً على صحتهم، وانطلاقاً من إدراكهم لأضرار استخدامها بكثافة، حتى أن بعض العائلات سمحت لأطفالها باستخدام الإنترنت طوال النهار، بعدما كانت قوانينهم المنزلية تحددها بساعات معدودة.
ولا شك في أن التحول المفاجئ في أنماط الحياة المذكورة كانت له عواقب وخيمة على الأطفال، ليبدأ الأطباء والمتخصصون في سلوك الأطفال، باستقبال المزيد من الصغار الذين يعانون مشكلات سلوكية وأنماطاً عدوانية وانخفاضاً في المهارات الاجتماعية واضطرابات في الانتباه والنوم، بما شكل إنذاراً واضحاً على ظهور وباء آخر وغير متوقع، يهدد الأطفال ويضعهم عرضة للمخاطر.
وما يزيد صعوبة هذه المخاطر، هو أن اعتيادهم على أسلوب الحياة المذكور يتطور ليصبح إدماناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن ثم فإن التخلص منها سيكون مثل التخلص من إي إدمان آخر، وما يصاحبه من آثار نفسية وبدنية وأعراض كالقلق والتهيج والرعشة والغثيان (وفقاً لميريام وبستر).
ويوضح الدكتور أريك سيغمان، من مجلة «الجمعية الدولية» لأمراض الأعصاب للأطفال هذه المخاطر بقوله: «ثمة أدلة تجريبية تثبت أن التعرض الكثيف لألعاب الفيديو في الطفولة، قد يسبب تكيفاً عصبياً وتغيرات هيكلية في المناطق العصبية المرتبطة بالإدمان. ومع زيادة ساعات جلوس الأطفال أمام هذه الشاشات، ستبدأ آثارها بالظهور سريعاً لأولياء أمورهم».
ومن أبرز الأعراض التي تشير إلى تعرض الأطفال لإدمان الشاشات: زيادة وقت جلوسهم أمامها، وعدم قدرتهم على السيطرة على رغبتهم في مشاهدتها؛ والشعور بالملل وفقدان الشغف بأي نوع آخر من النشاطات الترفيهية؛ وسيطرة المحتوى الذي يشاهدونه على أحاديثهم وتصرفاتهم؛ وعزوفهم عن لقاء أصدقائهم وتفضيل البقاء في المنزل؛ ونوبات الغضب أثناء محاولة إبعادهم عن الشاشات؛ واللجوء إلى الخداع والكذب لكسب المزيد من الوقت أمام شاشاتهم؛ وشعورهم بالسعادة أثناء جلوسهم أمامها فقط.
وتقول الدكتورة منى يسري، المديرة الطبية والأخصائية الاجتماعية في مركز «حياتي» الصحي للأطفال في دبي: «لاحظت خلال السنوات الخمس أو الست الماضية، ارتفاعاً كبيراً في نسبة الأطفال الذين يعانون تأخراً في الكلام وتظهر لديهم أعراض مرتبطة بمرض التوحد، على غرار التواصل بالعين. وتظهر على كل طفل يزور مركزنا بعمر عامين إلى أربعة، أعراض تدل على تأخر في النمو والتطور، على الرغم من قدرته على استخدام الهاتف الذكي بمهارة كبيرة. ونوصي دائماً بضرورة التخفيف من الجلوس أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية أو حتى الإقلاع عنها؛ حيث تعود هذه الخطوة بفوائد مباشرة نسبياً. وفي ضوء توصيات جمعية علم النفس الأمريكية، فإن نصيحتنا لأولياء الأمور، هي إبعاد أطفالهم عن هذه الشاشات خلال السنوات الثلاث الأولى من حياتهم، أو ما يعرف بالطفولة المبكرة».
التخلص من إدمان الشاشات
تقدم آشا كانوجييا، المتخصصة في تحليل سلوك الأطفال في المركز الرئيسي، النصائح لأولياء الأمور لتخفيف معدل جلوسهم أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية تدريجياً، وتنظم في هذا السياق برنامجاً تعليمياً خاصاً عبر الإنترنت (باستخدام تطبيق زوم) يوم 19 أغسطس في الخامسة مساء بتوقيت الإمارات.